بيار أبي صعب


«ما من كلام إلا قيل/ لكنه الآن كلامي/ ما من نظرٍ وقع عليّ إلّا رأى/ لكنها الآن عيناي/ كثيرة هي الأيادي التي لامَسَت جمراً واحترقت/ لكنها الآن يداي». على موقعه الرسمي تستقبلك تلك «الأبيات»... كما لتذكّر أن رشيد الضعيف (1945) بدأ شاعراً، ولو أنّه انقطع عن حبّه الأوّل، وارتمى في أحضان الرواية. لكن ذلك «المهرّج» الذي كان يفتقر إليه الشعر العربي الحديث قبل وصوله، كما كتب المعلّم الجزائري الراحل جمال الدين بن شيخ في تقديم الترجمة الفرنسيّة لديوان الضعيف الأوّل «حين حلّ السيف على الصيف» (1979)، لم يلبث ــــ ابتداءً من «المستبدّ» (1983) ــــ أن حمل إلى الرواية نظرته الساخرة عينها، ونفَسه العابث، وخفّة ظلّه الماكرة.
هذا الأديب اللبناني الذي يستقبله الليلة زاهي وهبي في برنامجه التلفزيوني «خليك بالبيت»، يكتب بسخرية باردة، مستترة. وتلك السخرية تمثِّل في أدب رشيد الضعيف، أو معظمه، ذروة «الالتزام»، وتختزل موقفه الراديكالي من العالم، من السلطة (على أنواعها)، من العنف الأهلي، عنف العشائر والطوائف، وبطش البطريركيّة والتقاليد. إنّه «المهرّج» نفسه ــــ ولو بأشكال وقوالب أخرى، تفترض هندسةً مغايرة على المستويين السردي والدرامي ــــ يؤكد منذ ربع قرن وأكثر، موقفه من البلاغة والإطناب، من الغنائيّة التي تصفّى منها نصّه الروائي، كما طردها من ومضات مكثّفة جَمَعَتْ ذات يوم بين حكمة سيوران وقصيدة الهايكو.
من «عزيزي السيّد كواباتا» (1995) إلى «تصطفل ميريل ستريب» (2001)، ومن «ليرنينغ إنغليش» (1998) إلى «إنسي السيارة» (2002)، والكاتب يناكف اللغة ويصدم الذوق السائد. أثنتا عشرة رواية (معظمها صادر عن «دار الريّس» في بيروت)، جعلت منه كاتباً على حدة بين أقرانه العرب، وأبناء جيله. لا يأخذ نفْسه على محمل الجد رشيد الضعيف. لكنّه، بكثير من الجديّة، يضحك من الناس والأشياء. ومن نفسه. يذكرنا بفيليب روث تارة، بوودي ألان تارة أخرى. وينزلق بنا إلى الإيروسيّة حين لا نتوقّعها منه، كوسيلة الاحتجاج الوجوديّة الأخيرة. كاتب بورنوغرافي رشيد الضعيف؟ بل مهرّج إباحي يتوسّل الجنس كي يخرّب قواعد اللعبة، كي يوصل احتجاجه الصامت، ويمدّ لسانه للعالم.
www.rachideldaif.com
الليلة 21:30 على «المستقبل» الفضائيّة
الجمعة 21:00 على «المستقبل» الأرضية