رشيد بوجدرة *


بعد 35 سنة على مقتله، ما زال جان سيناك حيّاً فيناً. وها هو اليوم ينتصب في جفوننا حارساً لا يعرف الكلل، مصرّاً أن يكون الشاعر الذي يعبّر عن أشياء الحياة اللامتناهية، بكلمات من قطن، لها مفعول الرصاص. ومن دون أية ضغينة، ها هو ــــــ كعهده ــــــ ما زال يعنّفنا ويصرخ فينا، ويواجهنا بحقائقنا «الاثنتين والستين» نسبة إلى سنة استقلالنا الذي طالما آمن به وناضل من أجله.
كان جان سيناك الوحيد الذي يساعدنا من بين أدباء الجيل السابق بنا. كان يهتم بنا ويشجّعنا من دون انقطاع. فيما الآخرون يتجاهلوننا ويحتقروننا... ونحن ببراءة سنواتنا العشرين، كنّا أصغر من أن نرى في ذلك أدنى سوء نية. هو وحده كان يفهم كل شيء. وكان بسخائه وموهبة العرّاف اللعينة المعروفة عنه، يجد لكل واحد منا بعضاً من عبقرية.
كان العديد منا يعتقد أنه يبالغ بعض الشيء، بصلعته تلك، ولحية الأولياء المرسلة، وتسريحة شعره على طريقة الشاعر فيرلان. لكنّه في الحقيقة لم يكن يبالغ أبداً، بل كان بكل بساطة يتعذّب. كان يحمل البلاد والقصيدة في دمه، وذلك العشق غير المحدود للعالم...
كان جان سيناك يساعدنا دوماً، حين كان عمرنا عشرين سنة. هو الذي كان في كتاباته مولعاً بفتح الأقواس والتظاهر دوماً بنسيان إغلاقها في الوقت المناسب. كان ماكراً كصبي، موهوباً كشاعر، وسخياً إلى حد التلعثم والوقاحة. وكانت له كلمات صلبة واسعة الآفاق، ومشاريع غزيرة حافلة، وشتائم مسمومة ملتهبة، وسخرية لاذعة قاتلة، ومشية متوثبة، وضحكة مفرطة...
قبل أيام قليلة من مقتله، كان جالساً قبالتي على سريره المرتجل الموقت، في ذلك القبو الأبدي، الذي لم يلبث أن أصبح قبره، في شارع إيليزيه ريكلو، على بعد خطوات فقط من وزارة الثقافة! كان جالساً قبالتي يتأمل، بمزيج من الفزع والتسلية، فئراناً كانت تعبث ببقايا عشائه. ولم يكن ذلك يدفعه إلى اليأس، فقد كان يقول دوماً إنّ الشعر مكيدة!
وفي النهاية، فإن عدداً من أبرز الأدباء والفنانين التشكيليين الجزائريين يدينون لجان سيناك بكل شيء: حياتهم، موهبتهم و.. شجاعتهم. فقد كان شجاعاً لا يكفّ عن إضرام الحرائق وإحداث الزلازل والأعاصير في سنواتنا العشرين. ولعل ذلك ما أثار ضده الكثيرين ممّن كان يزعجهم مجرد وجوده، مرة لأن اسمه ليس «محمد بن سيناق»، ومرة بسبب أسلوبه الفظ في اختراق بكارة الكلمات، ومرات أخرى لأنّ جسده النحيف كان يحمل الكثير من الحيوية وقدرة لا حدود لها على المشاغبة.
على رغم نزوعه الطبيعي إلى التشكك والارتياب، فإنه لم يكن يحتاط من أي شيء أو أحد. كان يقول عن نفسه إن «غاوري نزيه» (غاوري هي التسمية الشعبية التي كانت تُطلق في الجزائر على المعمّرين الأوروبيين). وهذا «الغاوري النزيه» حفظ عن ظهر قلب عمر الخيام، ابن المقفع، بشّار بن برد، أبو نواس، المعرّي، والمتنبي (الذي كان يدلّله، فلا يذكره إلا باسمه الثاني: أبو الطيّب!)، وحكايات ألف ليلة وليلة، وأشعار «البوقالة» البليدية. كما كانت عينه تعرف أدقّ التفاصيل في لوحات التشكيليين الجزائريين: باية، بن عنتر، غرماز، أكسوح، وبشكل أخص شكري مسلي وجماعته التشكيلية «أوشام» التي كان سيناك، بشكل ما، والدها الروحي...
عندما دخلوا إلى «قبوه» بعد مقتله، وكانت قد اخترقت جسده النحيل عشرات الطعنات من خنجر مجرم ربما كان فقيراً أكثر منه، ولقيطاًَ أكثر منه أيضاً... كانت تملأ المكان رائحة الكتب القديمة والكافور والزيت المحروق. ولكن كانت هنالك أيضاً رائحة شظايا كلمات لاذعة غمرها العدم إلى الأبد...
واليوم، لم يبق لنا ما نفعله من أجل جان سيناك سوى أن نختار له شارعاً يحمل اسمه حتى نهايته، كما حمل هو بلاده الجزائر في قلبه حتى آخر شهقة، وحتى آخر شعاع شمس. هو الذي كان توقيعه كالآتي: ☼، كأنه أراد لهذا التوقيع أن يبقى شمساً تسطع فوق جفوننا، نحن ناكري الجميل وفاقدي الذاكرة!
* كاتب وروائي جزائري