strong> حسين السكاف


• وريث المدرسة البغدادية في مدار الفنّ الأوروبي

تتلمذ على يد رموز «مدرسة بغداد للفنّ الحديث»، ثم هاجر إلى أوروبا أواسط السبعينيات، حاملاً معه نخيل البصرة وصخب بغداد. نساؤه يشبهن شخصيات موديلياني، وألوانه الراقصة مستوحاة من كاندينسكي. تجربة خاصة من جيل ما بعد الريادة في الحركة التشكيليّة العراقيّة

مَنْ خَبُرَ حياة المنفى، يعرف جيداً أنّ هناك وجوهاً وأماكن وصوراً تلازم الذاكرة فتسافر مع الروح المثقلة بهمومها وتطلعاتها. هكذا، تبقى الذاكرة متمسّكة بمخزونها، بل يصبح هذا الأخير أكثر وضوحاً وحضوراً تحت تأثير التجربة والمشاهدات الجديدة من جهة وقساوة المنفى ومرارته من جهة أخرى. تُرى أي صورة تستحضرها على الدوام ذاكرة الفنان العراقي غسان فيضي؟
الإجابة عن هذا السؤال نجدها واضحة في أعمال هذا الفنّان الذي تُعدّ تجربته الفنّية امتداداً طبيعياً ومهماً للمدرسة التشكيلية في بغداد تماماً كأساتذته وزملائه أمثال نزيهة سليم، فيصل لعيبي، نعمان هادي وغيرهم. وتأتي أهمية هذا الامتداد في مزج تأثيرات المدارس الفنّية الأوروبية بمؤثرات المدرسة البغدادية. هكذا، يؤدي هذا المزيج إلى منتج فنّي لا تنقصه الدهشة.
كانت باريس أول نافذة حقيقية إلى المنفى بالنسبة إلى غسان فيضي. وصلها عام 1974 وفي حقيبته آلة العود وصور عن العائلة والبصرة بنخيلها وبغداد بشوارعها ومقاهيها. احتضن مدينة الأنوار بفرح على رغم قساوة الغربة. وبعدما تتلمذ على التشكيليين العراقيين أمثال رسول علوان، نزيهة سليم، فائق حسن وغيرهم، دخل معهد الفنون الجميلة في باريس ليستقي المعرفة هذه المرّة على يد أهم التشكيليين الفرنسيين.
خلال سنوات عمله الطويلة، توصّل غسان فيضي إلى أسلوب ثقافي غائر في تلافيف الموروثات الفنّية لبيئته، لكنّه مطعّم أيضاً برؤية حديثة. وهذا الأسلوب يحاول دوماً استثمار مواضيع الحب والحنين والحزن والفرح وما يدور خلف جدران المنازل في إطار لوحة تحاكي المشاهد عن زمنها. وما أعماله إلاّ دليل ملموس على مدى التصاق تجربته بالمدرستين البغدادية والباريسية.
تنقلنا أعمال فيضي إلى المناخات العراقية وطقوسها وقصصها: في لوحة «العاشقة» مثلاً، نرى فتاة تقرأ في كتاب وإلى جانبها قطّة. تجبرنا نظرة الفتاة إلى الكتاب المفتوح على اكتشاف دلالات الإبحار بخيالات حالمة. نضارة وجه هذه العاشقة واكتناز جسدها وحيويته، عناصر تمنحنا صورة لفتاة ملأى بالخصوبة فتذكّرنا بعشتار إلهة الخصب. لكن، لماذا تجلس بطريقة تؤدي إلى ارتفاع جزء جسدها الأسفل؟ الإجابة نجدها لدى ترجمة بعض رموز اللوحة: الفتاة تظهر كأنّها سابحة في ملكوت العشق عبر الكتاب الذي تقرأه. فهل هي مبحرة في قصص العشق كحكايا ألف ليلة وليلة؟ أم أنّها تقرأ رسالة حبّ وصلتها منذ قليل ودستها بين وريقات الكتاب لتوهم الأهل بانشغالها في القراءة كما تفعل أغلب الفتيات في هذه الشريحة العمرية؟ أمّا حالة العشق، فهي التي تسبّبت بطيران الفتاة، إذ إن جزءها الأسفل متجه نحو الأعلى. تدلنا على هذا الأشرطة المتطايرة المنتشرة في فضاء اللوحة والمتجهة نحو الأعلى بحركات التوائية تارةً ودورانية طوراً. أما القطّة، فهي محاولة لتعزيز حالة العشق كموضوع أساسي للعمل، نظراً إلى أنّها ترمز إلى الرغبات والشهوات الجنسية. وما ثباتها على الأرض إلا دليل على ثبات وعمق الرغبة عند الفتاة.
للمرأة حضور واضح في أعمال غسان فيضي. لكنّها في لوحاته تبدو دوماً في وضعيات منحنية كالقوس. وقد نخال أنّ ذلك دلالة على الظلم والانكسار الذي تكابده. لكن حين نتمعّن في التكوينات اللونية المحيطة والرموز الخاصة بجوّ اللوحة، نجد أنّ الفنان أراد أن يظهر انحناءات الحنين الدافئة للمرأة، أكانت أماً أم أختاً أو حبيبة. إنّها المرأة الرمز. إضافة إلى ذلك، تحيل تلك الانحناءات غالباً على الأقواس التي نشاهدها في المعمار الشرقي كالنوافذ والأبواب. فعل الانحناء هو فعل يفيض بالحنين والإنسانية وهو رمز مشبع بالعطف. كما نشاهده في انحناءة الأم على وليدها الذي بين ذراعيها، وكذلك نشاهدها في انحناءة المرأة في «ذكريات ملونة» وهي تحاول إطلاق طائر سجين داخل قفص احتفالي الألوان كأنّه بلّورة
سحرية.
أمّا فتيات غسان فيضي برقابهن الطويلة، فيشبهن إلى حد كبير رقاب فتيات الإيطالي أميدو مودلياني، إلّا أنّهن في لوحات غسّان، أكثر امتلاءً كما في «الشقيقتان» و«الدكتاتور». إنّه جمال الشرق وخصوصيّته.
تُرى هل لهذا علاقة بأسلوب المزج بين أساليب المدارس الفنية المختلفة؟ إنّ وجود الأشرطة المتطايرة في فضاء أغلب لوحات غسان فيضي والألوان بتناغمها الراقص، كدلالة على الفرح وموسيقاه، ما هي إلّا تأثر واضح بتجارب ونظريات الفنان فاسيلي كاندينسكي الذي رسم الموسيقى وإيقاعات الإنسان الداخلية على اختلافها. هذا ما لاحظناه في «العاشقة» وكذلك في «قبلة خلف الأبواب» لكن بكثافة أقل لكون فكرة الفرح تتجسّد في البطلين اللذين يعيشان أجواءها.
كثيراً ما حرّكت القصص خيالاتنا ونحن صغار نستمع بشغف إلى تلك الأسرار التي كانت تدور خلف الأبواب، وخصوصاً في قصص ألف ليلة وليلة، وكثيراً ما وقفت الأبواب عائقاً في وجه رغباتنا ونحن نخبر العشق لأول مرة.
في لوحة «قبلة خلف الأبواب»، ترمز الأشرطة والدوائر إلى الموسيقى. موسيقى الروح أو الموسيقى الصوفية التي تعتمد الدفوف (الإيقاع)، فنلاحظ جزءاً من تلك الدفوف ظاهراً لكن خلف الباب فيما العشيقان يسبحان في ملكوت العشق تماماً كصوفيين يؤدّيان رقصتهما على نغمات موسيقى الروح وهما في حالة ارتقاء وسموّ.
تظهر العشيقة أكثر طولاً من عشيقها، لكنها لا تظهر الجرأة التي يظهرها العشيق. قدماها مطبقتان وكفها اليمنى وضعت على ظهر حبيبها بحياء وخوف واضحين، إنها بلا شك أجواء القبلة الأولى.
حروب العراق

ولد غسان فيضي في البصرة، أرض النخيل. وبعد إكمال تحصيله الثانوي، سافر إلى بغداد لدراسة الفن التشكيلي في معهد الفنون الجميلة. أغلب أساتذة غسان فيضي كانوا من رموز «مدرسة بغداد للفنّ الحديث» التي أسّسها الفنان العراقي جواد سليم، لتكون مدرسة فنّية مهمة في العراق.
في تلك الفترة، عمل غسان رساماً في العديد من المجلات والصحف العراقية، كان أبرزها عمله من عام 1970حتى 1973 رساماً للكاريكاتور السياسي في مجلة «رأي بغداد» الصادرة بالفرنسية من بغداد. ما أتاح له فرصة التعرف إلى مدرسة باريس في الفن التشكيلي ومتابعتها حتى سفره عام 1974 إلى باريس بعدما أكمل دراسته في أكاديمية الفنون الجميلة. أكمل غسان فيضي دراسته في أكاديمة الفنون الجميلة في باريس وتخصص في فن الجداريات عام 1980. ومنذ ذلك التاريخ، أقام العديد من المعارض في باريس والمدن الفرنسية الأخرى لينتقل بعد ذلك إلى أغلب العواصم الأوروبية. إلا أنّه تعذّر عليه إقامة المعارض في الدول العربية، نظراً إلى موقفه الإنساني من نظام الحكم في العراق آنذاك، شأنه بذلك شأن أغلب المبدعين العراقيين الذين لم ينخرطوا في جوقة الديكتاتور.
لم يستطع فيضي الهروب من التأثيرات الكارثية التي مرَّ بها بلده العراق وما زال. وله في هذا المجال العديد من الأعمال بينها لوحة «أضواء نارية على سماء بغداد» التي تعدّ من الأعمال العراقية المهمّة. وقد نفَّذ هذا العمل خلال فترة قصف الطائرات الأميركية بغداد، وعلى أثر لقاء تلفزيوني مع أحد الطيارين الأميركيين الذي راح يتغزّل بليل بغداد قائلاً «تبدو بغداد جميلة جداً في الليل عندما نقصف أماكنها وتلتمع النيران في سمائها»! وله أيضاً لوحة «على طريق البصرة» التي تصوّر نساءً جاثمات أو منحنيات على دبابة محترقة. ويعدّ غسان فيضي لمعرض سيُفتتح قريباً في باريس يشتمل على العديد من هذه الأعمال التي تسلّط الضوء على التبعات الكارثية التي خلّفتها الحروب على العراق.