عثمان تزغارت


تأخذنا arte هذا المساء إلى جحيم التجاذبات الداخلية والتدخلات الخارجية، في إقليم دارفور الذي غرق الوزير برنار كوشنير في رماله المتحرّكة أخيراً. فيلمان يتبعهما نقاش تلفزيوني حول انحراف عمل الجمعيات «الإنسانية» هناك، والخلفيات الحقيقية للصراعات الدائرة غربي السودان


يواجه وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير مأزقاً سياسياً وأخلاقياً غير مسبوق، إثر فضيحة تورّط جمعية Arche de Zoe الفرنسية في خطف وتهريب أطفال من تشاد، تحت غطاء أنّهم أيتام دارفور. إضافة إلى محاولة بيعهم لشبكات التبنّي غير القانونية في أوروبا. ولا تقتصر مسؤولية كوشنير على كون الجمعية المُشار إليها، مُعتمدة من وزارة الخارجية الفرنسية فحسب. إنما يحمّله بعضهم مسؤولية أخلاقية تتعلّق بانحرافات العمل الإنساني وعسكرته. فهو ـــــ إلى جانب «الفيلسوف» برنار هنري ليفي ـــــ يعدّان أبرز منظّري ومروّجي نظرية التدخل العسكري الإنساني. وذلك ما يقول به مثلاً الرئيس الأسبق لجمعية «أطباء بلا حدود» روني برومان (راجع البرواز).
على خلفية هذه الضجة، تخصّص قناة Arte سهرة خاصة هذا المساء، ضمن برنامجها الأسبوعي Thema، تحت عنوان «دارفور: مفاتيح الجحيم». وتتضمن هذه السهرة الخاصة (ساعتان وخمسون دقيقة) شريطين وثائقيين يليهما نقاش على الهواء مباشرة بين روني برومان وبرنار هنري ليفي.
الشريط الأوّل من إخراج كريستوف أياد، يحمل عنوان «دارفور: تشريح مأساة»، ويكشف تطورات مأساة دارفور، مظهراً أنّ الأوضاع الحالية لم تعد بالخطورة ذاتها التي كانت عليها في أوج الأزمة، أي عامي 2003 و2004. لكن «محترفي العمل الإنساني لا يريدون الاعتراف بذلك، لأنّهم يجدون في قضية دارفور وسيلةً لتصفية حساباتهم السياسية مع النظام السوداني، وأيضاً مع الصين، بوصفها الحليف الرئيسي لنظام الخرطوم. حتى أن «الفيلسوف» برنار هنري ليفي والوزير كوشنير، أطلقا قبل أشهر من تولّي الأخير منصب وزير الخارجية، حملةً دولية تدعو إلى مقاطعة الألعاب الأولمبية التي ستقام في بكين العام المقبل. وذلك، بحجّة الضغط على الصين لوقف دعمها لـ«سياسة التطهير العرقي» التي ينتهجها النظام السوداني في دارفور!
وبخصوص جذور المشكلة في دارفور، يعود الشريط إلى بداية عقد الثمانينيات، حين شهدت منطقة الساحل الأفريقي موجة جفاف كبيرة. إذ إنّ إهمال النظام المركزي في الخرطوم لاحتياجات منطقة دارفور، وحجب المساعدات الاقتصادية والإنسانية عنها لدى تشكّل حركات التمرّد الدارفورية، دفعا إلى تأسيس «حركة تحرير السودان» ثمّ «الحركة من أجل المساواة والعدالة».
لكنّ النزاع العسكري لم يتفجّر بشكل بارز سوى في مطلع عام 2003، حين شنّت حركات التمرّد في دارفور هجمات كبيرة على عاصمة إقليم الفاشر. وقد قُتل خلال تلك الهجمات عشرات الجنود في صفوف الجيش النظامي السوداني. ردّاً على ذلك، وتحت شعار الدفاع عن الوحدة الوطنية، أوعز نظام الجنرال عمر البشير بتأسيس ميليشيات «الجنجويد» التي تورطت في اقتراف مجازر وجرائم حرب بشعة في حق سكان دارفور. وهو ما أسفر عن مقتل 200 إلى 300 ألف شخص، ونزوح مليون مهجّر نحو المناطق الحدود التشادية.
موضوع هؤلاء المهجّرين، يتناوله الشريط الوثائقي الثاني الذي تعرضه Arte خلال سهرتها الخاصة، وهو من إخراج جان فيليب لاكاي، تحت عنوان «مهجّرو دارفور». ولا يكتفي هذا الشريط بإجراء جردة حساب نقدية لأداء الجمعيات الإنسانية غير الحكومية، وكشف ما تخلّل عملها من انحرافات ومآخذ، بينها فضيحة جمعية Arche de Zoe الأخيرة... هو يذهب أبعد من ذلك، راصداً الحسابات السياسية السرية التي جعلت المنظومة الدولية، في مقدمتها الإدارة الأميركية، تُحجم عن التدخل في عامي 2003 و2004 لوقف المجازر في دارفور. وذلك لأنها كانت ترى في انفتاح هذه الجبهة الجديدة وسيلة ضغط، قد تدفع بنظام الخرطوم إلى توخي سياسة أقلّ تشدداً تجاه منطقة أخرى: جنوب السودان حيث كانت حركة الجنرال جون غرانغ تخوض حرباً انفصالية لتحرير الجنوب المسيحي من قبضة نظام الخرطوم الإسلامي.
كذلك يبيّن الشريط أنّ حسابات أخرى ألقت بظلالها المريبة على الموقف الأميركي من مشكلة دارفور: في عام 2004، انتقد صقور الإدارة الأميركية استعمال وزير الخارجية كولن باول مصطلح «مجازر إبادة» بخصوص دارفور. وتم تقديم اعتذار رسمي لنظام الخرطوم، حرصاً على عدم الإخلال بالتعاون الأمني الوثيق الذي كان جارياً بين الاستخبارات السودانية والـ«سي آي إيه»، في ما يتعلق بقضايا الإرهاب المرتبطة بتنظيم «القاعدة».
أما ما تشهده وسائل الإعلام الدولية حالياً من حملات لجمع التبرّعات وتجنيد الرأي العام العالمي بخصوص مأساة دارفور، بمشاركة مثقفين وإعلاميين ونجوم سينما عالميين، فإن الشريط يكشف أنّها غير ذات جدوى على الإطلاق. فهي تأتي متأخرة، بعدما انتهى العنف واكتملت عمليات الإبادة. ولم تعد هنالك سوى مشاكل إنسانية تتعلق بتقديم الغوث الخيري للمهجّرين...

ابتداءً من 21:40 على arte