strong> نوال العلي


الصمت والانفعال الجواني ثيمتان أساسيتان تسكنان لوحات جوزيف حنين. وهي تستمدّ من هاتين الثيمتين جمالها في مربعات ومستطيلات معظمها بحجوم كبيرة، حيث يُعاد تفكيك الجسد وتصميمه ليتضاعف وجود اللوحة. ثمة لوحات تعيش حياتين: حدوثها لحظة المشاهدة ومكوثها ظلًّا وضوءاً وبؤرة توتر في ذهن مَن يراها.
يقدّم حنين في معرضه Organique الذي يستمر حتى 11 كانون الثاني (يناير) في المركز الثقافي الفرنسي، ثلاثين لوحةً بالألوان الزيتية. ليس من صفة واحدة تجمع ذلك التنوّع اللوني سوى عمقه واستدراجه المتلقي إلى الاسترسال في مشاهدته كمن يفكّ طلاسم أحجية ما. هكذا، تجد الألوان الحارّة الفاقعة والترابية وكذلك الباردة والداكنة. وفي كل مرة يذهب حنين إلى آخر اللون بإصرار وتأكيد، كأنّها حالة رصد لأطوار مختلفة من تكوين اللوحة ومراحل تشكّل الـ«عضوي» (عنوان المعرض)... وينطلق الفنّان من «الخليّة» البشريّة مادة أولية لرؤياه وبنية لوحته، فينجرّ وراء طبيعتها وتركيبها ومنطقها «البيولوجي»، راصداً بصمات الحياة الانسانيّة تحت مجهر الغياب.
على هذا النحو، يدفع حنين مُشاهد أعماله إلى إدراك الهدوء الشديد فيها، لكنّه يسترعي انتباهه أيضاً إلى الصوت اللوني الذي يثير نوعاً من الإيقاع المطلق فيما بينها ويخلق شيئاً من الهارمونية تنسجم تماماً مع التباينات اللونية. أما الشعور بالغرابة أمام أعمال حنين، فيعود إلى انحياز هذا الفنان إلى الباطني والغائب، بقدر ما هو متعلق بالحسي. ورغم أنّه خزّاف يتقن أكثر من لغة بصرية من أعمال الخزف والزجاج والفخار، الفسيفساء، والتصوير، والـ «فيديو آرت»، فهو لا يتسامح في لوحاته مع إغراء الشكل لينتهي إلى عمل متعدد الأشكال وقابل لتأويلات عدة مثلما هي لوحة «منحوتة». لوحته جسد حار على شكل قيثارة وهي قيثارة نفسيّة داخلية تحاول بلوغ الجسد، وهي مجرد عضو، أو حالة وربما هي أكثر من ذلك أو أقل. ينسحب الفنان الذي أقام العديد من المعارض الفردية والجماعية إلى أساس طاقة التكوين ويفتش فيها ليكشف سرها، حيث الوجود ما زال فكرة جنينية لم تبلغ حالة الاكتمال.
لا يمكن الاستمتاع بمعرض حنين دفعةً واحدةً، لا بدّ من تقطيعه بصرياً وترك فراغات ذهنية بين عمل وآخر على رغم وحدة موضوعه. فإذا تركت العين نفسها لعفوية المشاهدة تدخل في تحدٍّ مع مخيلة حنين التجريدية والتجريبية. لا بد من إدراك ذلك الترشيح المستمر للموضوع والاستدعاء التدريجي للحركة البطيئة التي تربط الأعمال ببعضها. وفي أعمال أخرى من المعرض، ثمة ترصّد لعزلة الكائن وسعي إلى بلوغ حالة البيات النفسي أو تجسيدها. يتضح ذلك في أجساد عزلاء وحيدة ومستلقية ومنسحبة إلى الداخل، وأخرى مقلوبة ومستعدة للهذيان، وثالثة مموهة في تقاطعها مع الآخر كأنّها لا تعرف ما تريد بل تحاول الوصول إليه.
وهو في كل حالة يرسم مستوى من الوعي يمثّل هالةً تحيط بموضوع اللوحة. في «أربعون دقيقة من الفراغ» مثلاً، هناك الفضاء المحيط بلون شديد الصفرة؛ وهو اللون الذي يجسد المستوى الثالث من الوعي، حيث العاطفة والانفعال. فيما تظهر حركة جسد مستلقٍ وعضو ممتد يخترق الصفرة بلونين أحمر وبرتقالي فاقعين يحولان الانتباه عن الأصفر.
استغرق حنين في دراسة الفنون التطبيقية، بعد تخرّجه عام 1998 من قسم الفنون الجميلة في جامعة البلمند، ثم حصل على منحتين لاستكمال تحصيله في المدرسة الوطنية العليا للفنون في باريس. درس ترميم الآثار الخزفية في إيطاليا بمعهد ألبينولو. ومدفوعاً بتلك الرغبة في التنوع الفني والبحث، وصل حنين إلى تصميم الأزياء وأصبح منذ عام 2005 المدير الفني لعروض المصممة إيلا زحلان.

Organique ــــ جوزيف حنين، حتى 11 كانون الثاني (يناير) المقبل ــــ المركز الثقافي الفرنسي (طريق الشام) ـ 01/420200
www.josephhonein.com