strong>حسين بن حمزة


• سندباد البرّي يواصل خياناته الشعرية

نزوعه إلى التجريب اقترن بترحاله الدائم بين المدن والمدارس الشعريْة. فرض نفسه منذ ثمانينيات القرن الماضي في بيروت، أحد أعذب أصوات قصيدة النثر. «وحيداً كذئب الفرزدق» هو عنوان مختاراته الصادرة في دمشق (تقديم صبحي حديدي). أمجد ناصر ما زال وفيّاً للشاعر الأوّل...

القارئ الذي كان ينظر إلى تجربة أمجد ناصر (1955) بوصفها انتقالات مستمرة، في الشكل والأساليب والتقنيات، سيجد البرهان على ذلك في المختارات الشعرية التي صدرت للشاعر الأردني أخيراً بعنوان «وحيداً كذئب الفرزدق» (دار ممدوح عدوان ـــــ دمشق). ويبدأ هذا البرهان منذ قصائد مجموعته الأولى «مديح لمقهى آخر» (1979) وانتهاء بالمنتخبات التي أُخذت من مجموعته الأخيرة «حياة كسرد متقطع» (2005).
هذه المختارات (اختارها وقدم لها صبحي حديدي) توضح أن ما هو مهم ليس أن ينجز أمجد ناصر انتقالات شعرية فحسب، بل أن تحدث هذه الانتقالات بين عوالم شبه منقطعة بعضها عن بعض، إلى حد يصعب فيه على القارئ أن يصدق أن الشاعر الذي بدأ إيقاعياً (متخلصاً من الغنائية المفرطة والوزن الصارم) انتهى (هل انتهى فعلاً؟) إلى قصيدة نثر تُكتب على سطور كاملة.
يُحسب لأمجد ناصر أنّه في سعيه إلى الشعر تخلّى عن الشاعر الأول الذي بدأ به تجربته الشعرية... ثم أتبعه بالشاعر الثاني الذي كتب «منذ جلعاد كان يصعد الجبل»... ثم تخلى عن الشاعر الثالث الذي كتب «رعاة العزلة» و«وصول الغرباء» وهكذا. ثمة أكثر من شاعر، وأكثر من تجربة نصّية خاضها أمجد وهو يبحث عما هو شعري، ويلبّي متطلبات خياله الشعري. إنه رحالة شعري أو «سندباد بري» مثلما وصفه عباس بيضون في تقديمه لأعماله الشعرية
(2005).
يكاد الانتقال يصبح فناً شعرياً خاصاً بالنسبة إلى صاحب «سُرّ من رآكِ». إنّه ليس هدفاً متعمداً بالطبع. الشعر، في النهاية، هو الذي يصنع كل هذا. لم يحفر أمجد في الموضع الذي بدأ منه كما يفعل كثيرون. لكن هذا لا يعني أن الذين يحفرون لا يبرعون في ترجمة هواجسهم وطموحاتهم. الفرق يصبح في المعجم الشعري والنبرة الشعرية. الذين يكتبون قصيدة واحدة أو يحفرون في مواضعهم الأولى يوسّعون شعريتهم تبعاً للنبرة عينها التي وسمت تجاربهم الأولى. أما الشعراء المتنقّلون، فيعرِّضون نبرتهم لعوالم شعرية متعددة، بحيث تكون القصيدة نتاج مزج متواصل بين الميل إلى التجريب والحفاظ على جوهر شعري تستحيل التضحية به. بهذا المعنى، كان أمجد ناصر ينجز قصيدته ويزحزحها من مكانها في آن واحد. بمعنى أنّه كان يقوم بانقلابات لكن على نفسه. ولهذا يبدو شعره أشبه بقفزات مستمرة.
إن نظرة متأنية إلى مختاراته الشعرية تؤكد أنّ كل مجموعة بمفردها لم تكن تنمّ بوضوح عن أنها ستؤدي إلى التي بعدها. فكيف إذا انتقلنا، دفعة واحدة، من المجموعة الأولى التي يضمّ ثلثاها قصائد موزونة إلى المجموعة الأخيرة المنجزة كاملةً بتقنيات نثر النثر؟ وليس فقط بقصيدة النثر بصيغتها الأكثر تداولاً. لعل هذا يدفعنا إلى الإقرار بأن انهجاس أمجد بالشعر قاده إلى أن يسبق أقرانه إلى البحث عن مقترح مستقبلي لما يمكن أن تكون عليه قصيدة النثر، وإن كان هذا البحث ينتهي إلى تبنّي النموذج الأصلي لهذه القصيدة كما ظهرت في الشعر الفرنسي، ونظّرت لها سوزان برنار.
الواقع أنّ نزوع أمجد ناصر إلى التجريب والتغيير اقترن بنزوع مماثل في سيرته الشخصية. فقد انتقل هو نفسه من عمّان إلى بيروت، في إعلان مبكر عن تململ وقلق شعري لا يستجيب له المكان الأول، ولا يستطيع أن يكون حاضناً أو بيئة مناسبة لنموه وارتقائه. كان لا بدّ من أن يحكّ قصيدته بالمختبر البيروتي الذي كان، إضافة إلى القصيدة اللبنانية، يستقبل شعريات عربية وتتطور فيه تجارب من مختلف الأجيال: محمد الماغوط، سعدي يوسف (الذي سيهديه أمجد ثلاث قصائد في مجموعته الأولى)، محمود درويش، سليم بركات وسواهم.
في بيروت، نشر أمجد مجموعته الأولى «مديح لمقهى آخر» (1979)، وكان واضحاً منذ العنوان أنّ ثمة صوتاً ذا رنين مختلف يستأذننا في الانتساب بقوة إلى المشهد الشعري في نهاية السبعينيات. كانت المجموعة تتجاوز منطق البدايات، وتكشف عن فهم شعري ونقدي متقدم، وقدرة على استثمار أفضل مآلات القصيدة الإيقاعية في تلك الفترة، والتشارك مع أسماء شابة أخرى كان بعضها أعلن وبعضها يوشك على إعلان ضجره من الصوت العالي... والتهويم البلاغي والغنائية الدبقة. وكان بالإمكان تتبّع هذا الضجر من بعض العناوين التي صدرت في تلك الفترة. «بشر وتواريخ وأمكنة» لمنذر مصري، و«مشاغل رجل هادئ جداً» لبسام حجار، و«الصبي» لنوري الجراح. إن مقارنة بسيطة لهذه العناوين بما كان يصدر حينها، ستكشف كم كانت عناوين زاهدة ومفارقة للغنائية الفائضة وحمّى البلاغة.
لكن مهلاً. لندع هذا كله جانباً، ونسأل: هل استطاعت هذه القفزات الشعرية المتلاحقة أن تغطي على الجملة التي كان ينقلها الشاعر معه من كتاب إلى آخر؟ ألم يكن كلّ سعي شعري يهدف إلى تقوية هذه الجملة وتنويعها، وخلق تدرّجات وأطياف فيها؟ بمعنى آخر ثمة صعوبة هائلة في أن يضحّي الشاعر بما بدأ به. الجملة الأولى هي جلْدُ الشاعر. ما يحدث لاحقاً هو تربية متواصلة لها. استدراج مذاقات وروائح ونكهات معجمية مختلفة. تكثير الانزياحات. ملاحقة الاستعارات من دون التحليق المجاني فوق أرض المعنى. دفن الصّنعة تحت أعماق متفاوتة من سطح الجملة. كل ذلك، وغيره، ليس إلا الشعر وهو يغير إهابه البراني مصغياً لدواخله وأحشائه.
اعترف أمجد ناصر مراراً بأنّه شاعر مزاج وقلق. لكنّه كان يجد دوماً ما يربط بين انقلاباته المتكررة. ولعلنا لم ننتبه إلى أنّه فعل ذلك حتى في قصائده. في مجموعة «رعاة العزلة» يكتب: «أرأيت/ نحن لم نتغير كثيراً/ وربما لم نتغير أبداً/ الألفاظ المشبعة/ النبرة البدوية/ العناق الطويل/ السؤال عن الأهل والمواشي/ الضحكة المجلجلة/ رائحة الحطب القديم/ ما تزال تعبق في ثيابنا».