علاء اليوسفي


من الآن فصاعداً، لا تبحثوا عن الأخبار العاجلة على الفضائيات اللبنانية. هذه الشاشات معنية فقط بالترفيه عن المشاهد العربي... تاركةً مشقّة نقل الأحداث وتحليلها لقنوات مثل «الجزيرة» و«العربية»! "

هل سحبت «العربية» و«الجزيرة» البساط من تحت أقدام الفضائيات اللبنانية، في نقل الأحداث المتعلّقة بلبنان؟ وما سبب تخاذل بعض الشاشات المحلية عن مواكبة التطورات والحدث السياسي الداخلي في لحظته؟ ولماذا تبدو المنافسة على ملاحقة الأحداث بين المحطات اللبنانية باهتة، فيما هي محمومة على الفضائيات العربية؟ وأخيراً، هل يكفي ارتفاع التكاليف المادية، ذريعةً لتبرير هذا التباطؤ في التعاطي مع التطورات، ومن محطات يُفترض أنها المعنيّ الأول في الحدث؟ أم أنّ الفضائيات اللبنانية وُجدت أصلاً لتكريس برامج الترفيه التي باتت تطغى على أي شيء آخر في المشهد التلفزيوني عندنا؟
أسئلة ملحّة، تستثيرها طريقة مقاربة الفضائيات اللبنانية للتطورات السياسية على الساحة المحلية، كما تستدعي تساؤلات عن حقيقة تفوّق الإعلام المرئي اللبناني وعلى مَن.
وإذا كان خبر استشهاد مدير العمليات في الجيش اللبناني، العميد الركن فرنسوا الحاج في تفجير منطقة بعبدا يوم أمس، قد أعاد التوتر إلى جبهة الفضائيات اللبنانية، فإن الوضع بدا مختلفاً في الفترة الأخيرة، وخصوصاً في ما يتعلّق بالتأجيلات المستمرّة لجلسات انتخاب رئيس الجمهورية، والفراغ الذي يرزح تحت نيره البلد منذ انتهاء ولاية الرئيس إميل لحود.
في عصر الاتصالات وخدمة الأخبار العاجلة، ما زالت المحطات اللبنانية، تفرض على المشاهد أن ينتظر نشرة الأخبار ليطالع الأحداث البارزة. وإذا كان هذا المشاهد «محظوظاً»، فيمكن أن يلمح الخبر في شريط الموجز أسفل الشاشة، والذي يطلّ حيناً، ويختفي أحياناً.
هكذا مثلاً، كانت «الجزيرة» و«العربية» سباقتين يوم أمس في نقل خبر استشهاد العماد الركن فرنسوا الحاج. كذلك فتحتا هواءهما، تزامناً مع بقية المحطات اللبنانية، لتدخلا أولاً في نفق التكهنات عن هوية المستهدف، ثم في استقبال مكالمات من شخصيات سياسية، تحلّل أبعاد وتوقيت هذه الجريمة، والرسالة منها، وإلى أي جهة موجهّة.
أما على صعيد المحطات الأرضية، فكان لافتاً برودة محطة تلفزيون «المستقبل» في نقل الحدث، على الرغم من أنّها فتحت هواءها لاحقاً لنقل وقائع الجريمة من على شاشة «أخبار المستقبل». أما LBC، وبعد البرنامج الصباحي «نهاركم سعيد»، عادت إلى برامجها الاعتيادية، وقدّمت حلقةً جديدةً من مسلسل عربي.
حتى في النشرات الإخبارية، باتت الفضائيات العربية تتفوق على المحطات اللبنانية. على الشاشات المحلية، يُطالعك مقدّم النشرة أولاً بمقدمة تتضمن توجّه المحطة السياسي، يليها عرض تقريري للأخبار، ثم اتصال مباشر مع المراسلين، إذا كان هناك ما يستدعي ذلك. أما إذا كان الخبر يحتاج إلى توضيح وتفسير، فيحيله الإعلام اللبناني إلى برامج الـ«توك شو» أو إلى اجتهاد المشاهد الذي لا يجد سبيلاً عندها سوى اللجوء إلى الفضائيات بحثاً عن تحليل لما يجري. وبينما تبخل نشرات الأخبار اللبنانية في استضافة محلّلين وسياسيّين لمعرفة خلفيات الحدث واستجلاء مفاعيله، فإن «الجزيرة» أو «العربية» لا تكتفي بعرض أخبارها من دون وجود مَن يشرّحها ويفنّدها، سواء أكان أحد مراسليها أم سياسياً معنياً أو خبيراً...
خلاصة القول، إنّ سمتين أساسيتين تفتقدهما القنوات اللبنانية في برامجها السياسية والإخبارية، أو تحتاج إلى جرعات إضافية منهما: الليونة والابتكار. ليونةٌ في التكيّف مع الأحداث وتجاوز البيروقراطية داخل المؤسسات الإعلامية، ثم ليونة في إجراء التغييرات اللازمة وإعادة التقويم، انطلاقاً من المعطيات التي يفرضها الحدث. أما الابتكار، فيبقى محصوراً في بعض التقارير الإخبارية من دون أن يتجاوزها إلى تقديم برامج جديدة. هكذا، تبقى نشرات الأخبار والبرامج السياسية على حالها سنة تلو الأخرى، من دون أن تفرض التطورات الاستثنائية أي إعادة تقويم للبرامج، كما هي الحال في قناة «الجزيرة» التي بدأت بثّ برنامج «من لبنان» مع غسان بن جدو. فيما حاولت «العربية» الاستعاضة عن ذلك عبر إدراج الأزمة اللبنانية موضوعاً رئيساً في برامجها السياسية، مثل برنامج «بانوراما» الذي يعرض يومياً، أو برنامج «نهاية الأسبوع» الذي يعرض مساء الجمعة.
دليلٌ إضافي على تفوّق «الجزيرة» و«العربية»، في نقل أحداث لبنان؟ في جلسة الانتخاب، يوم الجمعة الماضي، استطاعت بعض المحطات المحلّية أن تسجّل حضوراً جيداً في تغطية الأحداث الجارية داخل مقر مجلس النواب، إلا أنّ غياب محطات أخرى عن الحدث (حضور خجول وموجز لـ «المنار»، وغياب «المستقبل»)، يفتح النقاش على برودة هذه التغطية وخلفياتها. وهكذا، أقفل المشاهد عينيه تلك الليلة، من أن دون أن تتمكن وسائل الإعلام اللبنانية من تقديم الإجابة الشافية: هل سبب التعثّر في الاتفاق دستوري أم سياسي؟ وما هو موقع ميشال عون مما جرى، ثم موقف المعارضة؟ وما هي حسابات كل طرف من الأطراف المتنازعة؟
كذلك بالنسبة إلى المؤتمر الصحافي الذي أعلن فيه ميشال عون موقفاً بالغ الأهمية، تمثّل في موافقته على تولّي قائد الجيش رئاسة الجمهورية. وهو إعلان قدّمته قناة «العربية» في إحدى نشراتها المسائية باعتباره حدثاً يمثّل إمكاناً لحلّ الأزمة اللبنانية القائمة منذ وقت طويل. يومها، لم تكن الساعة قد بلغت الخامسة مساء. مذيع استوديو الأخبار في الدوحة يتحدث مباشرة إلى مدير مكتب «الجزيرة» في بيروت غسان بن جدو عن خلفية قرار عون. فيما كانت «العربية» في هذه الأثناء، تعلن خبراً عاجلاً عن القرار، ثم تتصل بالمعنيين في لبنان، وتعرض تقريراً عن الجنرال ميشال سليمان ودوره في حفظ السلم الأهلي منذ بداية الأزمة في لبنان، وتعامله بحياد مع فريقي النزاع. في هذه الأثناء، كانت «المنار» تعرض برنامج «المنار الصغير»، وLBC الفضائية تعرض برنامج «عيشوا معنا» الموجّه إلى الجمهور السعودي، فيما «المستقبل» تضع الخبر على شريط الأخبار، وNTV تعرض «موتور سبور»... كل ذلك يجري بينما كان على متابعي الفضائيات اللبنانية أن ينتظروا نشرات الأخبار ليطلّعوا على الخبر.
في النهاية، إذا كان مفهوماً أن تتفوق «العربية» و«الجزيرة» على القنوات اللبنانية خلال حرب تموز مثلاً، نظراً إلى تفوقها على صعيد الإمكانات المادية والبشرية... فهناك ما يستدعي الدهشة حين يجري ذلك في الوضع الراهن، من دون أن تحرّك قنواتنا ساكناً أو تستفزها المنافسة على السبق الإعلامي وتقديم ما يصبو إليه الجمهور خلال هذه المرحلة المفصلية من تاريخ لبنان.