رولا الأمين حرّة. خرجت الصحافية الفلسطينية أمس بكفالة مالية من سجن «الجويدة» الأردني الذي احتجزت فيه لأكثر من 24 ساعة أول من أمس، في غياب أي مسّوغ قانوني ودستوري لهذا الإعتقال. خرجت وخرج معها العديد من الأسئلة والإشكاليات عن حقيقة ما حصل، خصوصاً أنّ القانون والشرع الى جانبها كأم. فمن قلب هذه الموازين؟ وتبعاً لأي خلفيات؟ من أراد اعتقالها تعسفاً حتى بخلاف القرار القانوني الأخير الذي يمهلها سبعة أيام لتسليم ابنتها؟

في أيلول (سبتمبر) الماضي، أصدرت «محكمة وادي السير الشرعية» الأردنية قراراً يقضي بتولي مراسلة «الجزيرة» الإنكليزية في بيروت رولا الأمين حضانة ابنتها الصغيرة دينا (5 سنوات) وأمرت المدعي عليه، أي طليقها رجل الأعمال والعامل في الميدان الإعلامي الأردني محمد العجلوني، بتسليم ابنته «لتتولى حضانتها ورعايتها». وبحسب القوانين المعجلة هناك، فإنّ هذا القرار غير قابل للطعن، ولا للاستئناف. مع ذلك، استأنف العجلوني، وقررت المحكمة الشرعية رده شكلاً، ليعود ويتقدم باستئناف ثان بتاريخ 17/12/2014، فقررت المحكمة قبوله شكلاً وموضوعاً (وهذا الأمر مخالف لأصول المحاكمات الشرعية) وفسخ القرار السابق، وإلزام الطرفين «انتظار القضاء في الدعوى الأصلية بالحكم في حضانة الصغيرة».
محامي الصحافية الفلسطينية، ووزير العدل الأردني السابق صلاح الدين البشير، رأى في بيان أصدره أول من أمس أنّ هذا القرار الاستئنافي «مخالف لقانون أصول المحاكمات الشرعية، وخصوصاً المادة 137 ولكافة اجتهادات محكمة الاستئناف، وهو يعدّ غير دستوري ومنعدماً ومتناقضاً مع ما سبقه من قرار للهيئة نفسها». وأشار إلى أن قرار سجن الأمين «سابق لأوانه وكان يجب على دائرة التنفيذ منح المستدعية سبعة أيام قبل حبسها». علماً بأن قرار السجن صدر عن محكمة لا تملك «اختصاص إصداره» وفق البشير.
هذا في القانون. حتى لو سلّمنا جدلاً بقرارها، فإن الأمين اعتقلت لمدة 24 ساعة في سجن «الجويدة» بخلاف الحكم الصادر، أي إعطائها مهلة 7 أيام لتسليم ابنتها الصغيرة إلى والدها. إذاً، نحن أمام معضلة قانونية ودستورية غير مفهومة في اعتقال الأمين أولاً، وفي إبطال قرار محكمة الأساس التي تمنحها حق حضانة ابنتها لغاية 15 عاماً، وفق القوانين الأردنية. وفي تحليل الخلفيات، يظهر العديد من المعطيات، وخصوصاً مع تصفح تاريخ زوجها السابق صاحب النفوذ الإعلامي والسياسي، والمنتمي الى إحدى العشائر النافذة. العجلوني سبق أن خطف ابنته مرتين: المرة الأولى جاءت بعد صدور القرار المعجل لمصلحة رولا، والمرة الثانية عندما حصل على قرار إلغاء الحكم الصادر بحضانة أمها، وبقيت معه وقتها 11 شهراً بخلاف القانون والحالة النفسية للطفلة. ووفق اختصاصيين اجتماعيين أدلوا بشهاداتهم للمحكمة، تبين أن الفتاة الصغيرة لحق بها ضرر نفسي من جراء سلخها عن أمها. وهذا ما تؤكده أيضاً شهادات لمقربين من مراسلة «الجزيرة»، إذ تجزم بالعلاقة المتينة بين الأمين وابنتها الصغيرة وكيف أنها تركت مكان استقرارها وعملها في بيروت، وذهبت الى عمّان لتنفيذ حكم المحكمة ببقائها هناك الى جانب ابنتها. في حديثها معنا، طرحت الصحافية الأردنية التي تعمل في «الجزيرة» الإنكليزية والمقرّبة من الأمين ميساء خلف، مجموعة تساؤلات تخص قضية رولا. تتوقف عند قرار المحكمة الأخير المناقض للشريعة التي تنص على بقاء ابنتها معها لمدة 15 عاماً، وكيف استطاع طليقها ــ برغم القانون ــ إيصالها الى السجن قبل انقضاء المدة المحددة من المحكمة (7 أيام). تساؤلات قد لا تجد الإجابات الشافية، لكن الثابت يبقى الجانب الإنساني من «الصحافية القوية» كما تصفها خلف. وتشير إلى أنّ صديقتها سارت تبعاً «للقوانين الأردنية خطوة بخطوة»، وحافظت على صورة الأب لدى ابنتها، و«ليست صورته الموجودة في شقتها في بيروت إلا حرصاً على إرساء علاقة جيدة معه ومع ابنتهما». مع ذلك، تقول خلف إنّ رولا كانت دائمة الخوف على حياة ابنتها وحريصة على تأمين حياة مرفّهة لها. ومررت خلف عتباً على السلطات الأردنية التي «تتغنى دوماً بحقوق المرأة والإنسان، واليوم تلزم صمتاً مريباً».


اطلق سراحها أمس
بكفالة مالية بعد
تسوية مؤقتة

قضية الأمين أضحت سريعاً قضية رأي عام تمسّ حقوق المرأة والممارسات الذكورية التي تستخدم نفوذها وسطوتها في أماكن التأثير والسلطة لممارسة المزيد من الضغط على أم سُلب حقها بالأمومة. ومع امتلاء مواقع التواصل الاجتماعي بحملات التضامن والضغط لإخلاء سبيل الأمين، وقبل ذلك استحصالها على حقها في حضانة ابنتها الصغيرة التي حاربت لأجلها بكل شجاعة، انتشرت في الساعات الأخيرة عريضة إلكترونية تدعم الأمين وتشرح القرار الظالم وغير الدستوري الذي أصدرته المحكمة الشرعية وتجاوز الأحكام القضائية تحت ضغط المال والسلطة. ومع هذه العريضة الموجهة الى السلطات الأردنية، دعت (شقيقتها) ديما الأمين عبر صفحتها على فايسبوك «كل الشرفاء» للضغط في سبيل إنهاء القضية بطريقة قانونية، ومحاسبة كل من تواطأ (..) والكشف عن حقيقة التزوير الذي مورس في وثائق المحاكم، وخصوصاً على يد نائب مدير محكمة الاستئناف، وأيضاً كل إعلامي ساهم في نشر أخبار غير صحيحة «تلبية لمصالح مادية». لعل من قصدته ديما الأمين بذلك تحديداً هو محمد العجلوني، الذي كتب عبر صفحته على فايسبوك بعد موجة الإدانة لسجن رولا، أنّ الأخيرة كانت تمنعه من زيارة ابنته، وهذا الأمر غير واقعي وفق مقرّبين لرولا. كما نشر صورة عن وثيقة صادرة عن قاضي «وادي السير» الشرعي تدعي أنّ رولا غير «متفرغة وغير قادرة على حضانة ابنتها»، ولم يجرِ التأكد من صحتها. في هذا الخصوص، تقول لنا صديقتها المقرّبة أيضاً نايلة خوري إن العجلوني حرم الأمين رؤية ابنتها لأكثر من ثمانية أشهر، وهو يقوم اليوم بهذه الممارسات «انتقاماً». وأشارت إلى أنّه لو كان «يقطن في بلاد غربية متحضرة، لكان قد تعرّض للمساءلة بسبب نشره هذه المستندات القانونية».
في بحر هذه القضية التي أضحت اليوم الشغل الشاغل للجسم الإعلامي والحقوقي، الى جانب طبعاً التعسف الحاصل بحق رولا الأمين، تبقى قضية الطفلة دينا التي قد تتحول الى ضحية وسط هذه المعمعة. طفلة لا تريد سوى الاستقرار وعيش حياتها كباقي الأطفال. لعلّ ما دونته أخيراً في أنشطتها المدرسية إجابة عن سؤال «الى من أنت ممتنة؟»، لتجيب بكلمة Mommy (الصورة على موقعنا) أي «أمي»، يكفي لمعرفة حاجة الطفلة الماسة إلى والدتها التي ــ وللصدفة العبثية ــ اعتُقلت أمام مدرسة الصغيرة دينا.




أين «الجزيرة» من التضامن؟

في اليومين الماضيين أي منذ اعتقال الصحافية الفلسطينية في الأردن رولا الأمين ينشط صحافيو/ات «الجزيرة» بشقيها العربي والإنكليزي على مواقع التواصل الاجتماعي. يعلنون الدعم الكامل لزميلتهم ويشاركون في حملات التضامن. أما على الشاشة القطرية، فتغيب رولا التي أعطت للقناة أكثر التغطيات حرفية في ملفات ساخنة ومفصلية عدة في المنطقة العربية والشرق الأوسط. تغيب أو تغيَّب وسط سيل من الأسئلة عن خلفيات ما يحدث، ومدى استعداد «الجزيرة» لإزعاج النظام الأردني من أجل مراسلتها. وفي التحليل ومن ضمن الفرضيات أن طليقها محمد العجلوني صاحب «الشركة العربية للبث الإذاعي والتلفزيوني» (ABS) في عمّان التي تزوّد كبريات القنوات العربية والعالمية بخدمات وتقنيات البث المرئي والمسموع (العربية، bbc، فوكس نيوز، الحرة، أبو ظبي، ABC News..) من ضمنها «الجزيرة»، مارس ضغطاً وتأثيراً عليها، وليس هذا التعتيم الذي نشهده سوى دليل على هذه السطوة.