عبد الغني طليس


إذا كان لا بدّ من حسرة تزفرها مادونا، فهي على الأيام التي كانت تظنّ فيها أن النجاح لا نهاية له، وأن المال لا ينقطع، وأن الناس الذين أحبّوها في زمن الأضواء، سيبقون أوفياء في زمن العتمة. لكن مادونا لا تندم. أو هكذا تقول، مضيفةً أنها عاشت النجاح شعبياً حتى الثمالة، وصرفت المال، كما لم يصرف أحدٌ قبلها وربما بعدها، على فنها وملابسها وإعلامها وحضورها الاجتماعي وعلى من حولها وما حولها... هي فعلت ما عليها عندما أقبلت على الحياة كالنمرة الواثقة، ويبدو أن الدنيا فعلت «ما عليها» أيضاً عندما قطعتها في منتصف الطريق!
ليس صحيحاً أن مادونا لا تعرف لماذا آلت أمورها إلى ما آلت إليه. تعرف، لكن على رغم جرأتها الاستثنائية، تفضل ألا تعلن ذلك، مدعيةً أنها لا تعرف... وتأزّم مادونا فنيّ على سلوكيّ على شخصيّ على اجتماعيّ، ولكلّ من هذه العناصر «الموجبة» حيثيات...
لقد غرقت في نوعية من الأغاني الراقصة التي طبقت شهرتها الآفاق. كانت تغني وترقص، وقد تكون أول من غنّى ورقص في جيل الثمانينيات من القرن الماضي، وأقصد هنا الرقص كرقص لا كحركات عابرة على المسرح، تقوم بها مغنيات عابرات. وإذا كان الرقص لدى بعض المغنيات يستدرّ نوعاً من اللهو البصري، حتى يغضّ الجمهور الطرف عن عيوب الصوت، فإن رقص مادونا مثّل إضافة إلى الغناء، كونها تتقن الرقص فنّاً قائماً بذاته. لكن كثرة الغناء الراقص صرفت الأنظار عن إمكانات مادونا الصوتية الحقيقية ـــــ وصوتها يتميز بطراوته ومساحته الجيدة ـــــ فظنّ الجمهور أنها تريد أن تغني بجسدها أولاً لا بصوتها.
هكذا ربطت في ذاكرة المتلقي بين أغانيها وجسدها بشكل أوتوماتيكي، وبما أن الجمهور العربي يأخذه الجسد المغري أكثر من الأغنية، فقد تراجعت أعمال مادونا إلى المرتبة الثانية. ولأن الجسد يتحوّل بحكم الطبيعة والعادة أمراً مألوفاً بعكس الصوت الذي يصمد أكثر فأكثر، فقد انطفأ الحافز تجاه مادونا في اعتبارات الجمهور. وشيئاً فشيئاً، انهار البناء الشاهق الذي بنته مادونا لنفسها مادياً ومعنوياً، بسوء تدبير فني وشخصي وإعلامي متراكم. فكأنه كان بناء من ورق...
غير أن هناك خطأ كبيراً آخر لم تتيقظ له مادونا حتى الآن، هو أنها لا تجد حرجاً في الكلام على عشاقها وتجارب حبّها على الشاشات. هذه الشجاعة قاتلة في بعض وجوهها، لأنها جعلتها في نظر كثيرين امرأة سهلة. لا أقول إنها كانت بالفعل امرأة سهلة، إنما كانت شجاعتها في الاعتراف بعواطفها الحارقة، أكبر من قدرة الجمهور على تقبلها، فذهبت الظنون في اتجاه سلبي... وإلا فما هو سبب الشائعات العدوانية التي أحاطت بها، ثم تبين للجميع أن أغلبها من صنع صناع مهرة في نصب الفخاخ؟!
في الحياة الفنية اللبنانية اليوم نساء ربطن أجسادهن بأغانيهن، سيلاقين المصير نفسه عما قريب، مع تسجيل تفوّق وحيد لهن على مادونا هو أنهن يرفضن الكلام على علاقاتهن أو خصوصياتهن في الإعلام.
إنه «عرض» فني على سلوكيّ على شخصيّ على اجتماعيّ... حاصر مادونا، لكن الحصار لم يكن ليكتمل من دون الحصار الانتاجي، فقد أعرضت شركات الانتاج المعروفة والمسيطرة، عنها لمصلحة «الصبايا»، فكأنها كانت تقول لها إنها أتت من زمن آخر. أو هكذا تشعر مادونا تحديداً عندما تدافع عن نفسها بالقول: «لماذا يتجاهلونني؟ هل أصبحت عجوزاً؟ بعدني حلوة وبغنّي حلو»!
يمكن القول: فتحت مادونا التي عادت أخيراً إلى الساحة مع المغني بشير في أغنية «ملّا جيل»، لغيرها طريقاً، ووقعت في منتصف الطريق. هي في الغناء أفضل منهن جميعاً. وهنّ في المداراة أفضل منها. إنه المجتمع الذي يعلن أن الاعتراف بالخطأ فضيلة، لكنه لا ينسى ذلك «الاعتراف»... الى الأبد، ويبني عليه ما استطاع من المواقف التي يعتقد أنها تطهره... وتشفيه!