strong> حسين بن حمزة


في روايته الجديدة “دع عنك لومي” (دار الآداب)، وهي الثالثة بعد “وراق الحب” (2002) و“بريد عاجل” (2004)، يفرد الروائي السوري خليل صويلح المساحة الأكبر لنبش تفاصيل حياة راهنة وهامشية تجري أحداثها في دمشق. ينظر إلى هذا الواقع من وجهة نظر مجموعة مثقفين، يتبدى لاحقاً، أنّ الثقافة نفسها تتحول نوعاً من الإعاقة الذاتية والاجتماعية بالنسبة إليهم. فعلى رغم نجاحاتهم النظرية في توصيف ما يجري حولهم، لا تبدو توصيفاتهم تلك نافعة في تأمين حياة لائقة بهم... أو بالثقافة التي راكموها! وهذا ما يجعلهم متبطلي مقاه، ومتسكعي ليل، ومرددي خلاصات فلسفية لا قيمة تداولية لها إلا فيما بينهم بصفتهم شلة مثقفين.
أربعة رجال يؤلفون “شلة الثعالب”. الأول هو الراوي الذي لا يظهر بالكامل إلا في نهاية الرواية. والثاني عماد معصراني الذي يقدّم نفسه شاعراً ومخرجاً مسرحياً، ويستخدم جملاً من الأفلام والكتب كي يجذب الآخرين، النساء خصوصاً، ولا يتوانى عن السرقة والنصب للحصول على بعض المال. الثالث هو أنس عزيز الذي يعيش عطالة جنسية، ويعاني حرماناً فلسفياً ووجودياً من المرأة، ويصفه الراوي بـ “ملك العادة السرية”... وينتهي به الأمر، في حل وحيد ممكن، إلى الزواج من ابنة خالته المحجبة. والرابع هو الشاعر سمير شكري الذي يشارك الباقين في الإعاقة الثقافية والحرمان الجنسي، ويسبقهم في اختراع النظريات الملائمة لأوضاعهم: “مديح الكسل” و“نظرية البهجة” و“نظرية التسكع”...
الثلاثة مع الراوي يجتمعون غالباً في حانة “الكهف”، وينطلقون منها لـ “غزو” أماكن سهر أخرى إذا توافرت الطرائد المناسبة أو المتخيلة. وغالباً ما تكون الحصيلة محبطة، كما هي الحال حين يذهبون إلى “المركز الثقافي الفرنسي” لالتقاط الأجنبيات القادمات لتعلّم العربية في سوريا. وهم في حالات الإفلاس الشديد، لا يتورعون عن تغيير بوصلة مبادئهم، لمواصلة نمط حياتهم الليلية، وإيجاد من يدفع فواتيرهم. وهو ما يحدث في سهرتهم مع الدكتور حسني حمام المتخصص في الأدب الجاهلي. إذ يتخلون عن أفكارهم ما بعد الحداثية لمصلحة الجرجاني ومعلقات الجاهليين ولزوميات المعري. حتى إنّ سمير شكري يعترف بأنه حفيد امرئ القيس، ويتخلى أنس عزيز طوعاً عن ميشال فوكو وأمبرتو إيكو. الشخصيات الأخرى في الرواية لا تختلف كثيراً عن الأبطال الأربعة، هناك ماهر غزال الشاعر العائد من دبي، وهناك منى جابر الكحولية والثرثارة والقبيحة، كاتبة القصص الإيروتيكية التي تدرب كثيرون في سريرها، ومنهم بعض شخصيات الرواية.
يبني خليل صويلح روايته على السجالات والثرثرات التي تدور بين شخصياتها في عوالمهم الكحولية، ورحلة ضياعهم المتواصلة. بل إن هذه الثرثرة التي تحتلها الشتائم غالباً، تمثّل عصب السرد الروائي فيها، إلى حدّ يكاد القارئ يلمس تطابقاً بين تقنية السرد ونبرته، وبين “قاموس” الشتائم الذي تتبادله الشخصيات.
والطريف أنّ صويلح لا يتعاطف كثيراً مع شخصيات الرواية... بل إنّه يرفع أي حماية روائية قد تحصّنهم أو تبرر عقم حيواتهم وخواءها، ويتركهم يتدبرون شؤون خيباتهم تحت وابل الشتائم التي تنضح بها أحاديثهم. الشتائم نفسها لا تنجو من عدوى “التضخم” الثقافي، وغالباً ما تكون نتاج خيال خصب في سوقيته وابتذاله. حتى إن الراوي يصف احد حوارات هؤلاء بأنه “استمناء ثقافي”. الأرجح أن هذا الوصف لا يصلح للحوارات وحدها، بل لبيئة الرواية كلها.
بهذا المعنى، يمكن القول إن رواية خليل صويلح تصفّي حساباً خفياً مع تاريخ سردي طويل جرى فيه تمجيد المثقف، وتمجيد الأيديولوجيا في الرواية السورية. وهو طموح راح يتسع ويتعمق، وفي أكثر من اتجاه، في الكتابات السورية الجديدة، مثلما هي الحال في روايات خليل الرز وفيصل خرتش وخالد خليفة وروزا ياسين حسن ومنهل السراج وغيرهم.