دمشق ــ خليل صويلح


مقاومة الغزاة تكون أيضاً على مستوى الحياة اليوميّة... هذا ما يقوله شوقي الماجري في مسلسله الجديد «اجتياح». يصوّر المخرج التونسي قصصاً منسية عاشها أهل الضفّة في مواجهة الهمجيّة الإسرائيليّة. العرض في رمضان

بدأ المخرج شوقي الماجري تصوير عمله التلفزيوني الجديد “اجتياح”، في دمشق والمخيمات الفلسطينية المحيطة بها. المسلسل الذي كتبه رياض سيف، وينتجه “المركز العربي للخدمات السمعية البصرية” في عمّان، استعادة وثائقية وروائية للاجتياح الإسرائيلي لمدن الضفة الغربية في فلسطين: رام الله، وبيت لحم، ونابلس، وجنين ومخيمها عام 2002. وهو يسلّط الضوء على ما تركه هذا الاجتياح من خراب ودمار وضحايا، ومقابر جماعية، ونسف منازل، ومآسٍ حفرت عميقاً في ذاكرة العالم ووجدانه. لكن هذا المشروع البصري لا يكتفي بأرشفة المجازر الإسرائيلية وحدها، بل يتوقف ملياً عند لحظات إنسانية مؤثرة، وتفاصيل الحياة اليومية التي أهملتها الفضائيات أثناء تغطيتها للأحداث، وكانت تنمو بعيداً من اهتمام عدسات المصورين. هكذا تتناوب الوثيقة بالحكاية المتخيلة، في نسيج درامي يؤكد وقائع حدثت في ظلال الصورة الإخبارية. ويتأمل في معنى التسامح الديني، خلال حصار كنيسة المهد في مدينة بيت لحم، حين أدى المسلمون المحاصرون صلواتهم في الكنيسة، ودفنوا موتاهم داخل أسوارها، في لحظة إنسانية استثنائية. ويعرّج المسلسل في أحد خطوطه الدرامية على حكاية مريم التي تنتمي إلى عرب 48، وتراقب المآسي من موقعها، قبل أن تؤدي دوراً في مقاومة الاجتياح. هناك أيضاً حكاية المقاتل خالد الذي يقع في حب يائيل، اليهودية التي تكتشف عدالة القضية الفلسطينية وزيف الدعاوى الإسرائيلية، في ظل ملابسات تفرزها الظروف العامة. تقوم يائيل بتزويد صديقها معلومات سرية عن خطط الاحتلال من طريق شقيقها الملازم في الجيش الإسرائيلي. وأثناء حصار مخيم “جنين” يُقبض على خالد بعدما يُصاب برصاص جيش الاحتلال. ويُعدم على يد شقيق يائيل أمام منزل العائلة الذي هُجروا منه عام 1948، في إشارة واضحة إلى عمق الصراع الفلسطيني الإسرائيلي واستمراره. المجازر التي ارتكبتها إسرائيل في جنين، ليست معزولة إذاً، عما قبلها من مجازر مستمرة منذ نكبة 1948، إلى اليوم. سيتعرّف المشاهد بشهود عيان، وشخصيات واقعية، ترددت أسماؤها في نشرات الأخبار خلال الحصار في مشاهد وثائقية، بينها حصار الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في مبنى المقاطعة في رام الله. فيما يضيء صنّاع العمل الجانب الآخر من حياة هذه الشخصيات في علاقاتها اليومية، وتناقضاتها الحياتية ومواقفها الأيديولوجية، بعيداً من النبرة الدعائية. البطولة هنا، تتجسد في مواقف إنسانية صغيرة، اختُبرت خلال أيام الاجتياح، وحكايات كانت غائبة عن ذاكرة الشاشة الوثائقية، في مسعى لتثبيتها بوصفها ملاحم بطولية، لا تقلّ شأناً عما قام به أبطال المقاومة الفلسطينية في مواجهة آلة القتل الإسرائيلية.
يقول مخرج العمل شوقي الماجري إن الجزء المهم في مسلسل “اجتياح” هو الصورة التي غابت عن أذهان الناس خلال أيام الاجتياح، والتي تتمثل في كيفية مواجهة العائلات الفلسطينية لظروف الاجتياح والحصار، وألم هذه العائلات ووجعها اليومي، في ظلّ الإرهاب المنظم الذي مارسته قوات الاحتلال الإسرائيلي. واعتبر المخرج التونسي أن هذا العمل فرصة مهمة في كشف الممارسات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، مثلما هو محاولة لفضح عنصرية الاحتلال عبر الوثيقة والتخييل الدرامي، إضافة إلى الدعوة إلى السلام والتسامح. ولا يخفي الماجري أن العمل هو مغامرة إنتاجية. إذ من المتوقع أن يثير ردود فعل إسرائيلية غاضبة، واتهامات بالتحريض على الإرهاب، إلى أن يسارع بالقول: “لكننا لن نطلب الإذن من الإسرائيليين، وينبغي أن نتجاوز مثل هذه المخاوف، وألا ننفي أنفسنا عن قضيتنا القومية الأولى”.
يلجأ شوقي الماجري في عمله الجديد إلى مقترح بصري وجمالي، يختزل المسافة، ما بين السرد الوثائقي والسرد الروائي، والتوكيد لصدقية الحدث وأهميته في الذاكرة العربية الراهنة، باعتباره منعطفاً في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي. وتتوقف عين العدسة في المشهد الأخير عند لحظة درامية مؤثرة، هي رحيل ياسر عرفات، إذ تطوى صفحة أساسية في تاريخ القضية الفلسطينية، لتبدأ صفحة أخرى من الكفاح.
يجسّد شخصيات العمل عدد كبير من الممثلين الفلسطينيين والعرب، أبرزهم: فرح بسيسو، ونادرة عمران، ورامي حنا، وصبا مبارك، وإياد نصار، وجمال القيش، ومنذر رياحنة. ومن المنتظر أن يعرض العمل في رمضان المقبل، وتقدّر موازنته بمليون و500 ألف دولار. وعن سبب اختياره هؤلاء الممثلين يقول الماجري: “اخترتهم حتى تبدو اللهجة قريبة من الشخصيات، وتضفي على المشاهد نوعاً من الصدقية التى قلّما اتسمت بها الأعمال التي عالجت القضية الفلسطينية”.