تونس | بعد شريطه الطويل الأول «الكتبية»، قدم السينمائي نوفل صاحب الطابع للجمهور التونسي شريطه الجديد «الزيارة». العمل لون جديد في الكتابة السينمائية لم يعهده الجمهور في ما سبق من أفلام. انطلق نوفل صاحب الطابع وطارق بن شعبان الذي شاركه كتابة السيناريو من حكاية بسيطة في ظاهرها هي قصة الشاب يوسف الذي يصاب بفقدان الذاكرة وبفصام الشخصية بعد مشهد سقوط شقيقته في البئر وتعنيف والده لأمه حتى الموت.


من خلال هذه الحكاية، يطرح المخرج قضية الذاكرة بالتركيز على البيت المهجور في المدينة العتيقة، واستعراض المعمار الكولونيالي الفرنسي. هكذا، يتحول الشريط الى رحلة بين الماضي والحاضر تتخللتها حفلات «السطمبالي» («الموسيقى الزنجية») التي يعتقد بأنّها قادرة على طرد الأرواح الشريرة التي تسكن الإنسان. يوسف (غازي الزغباني) الذي يعمل سائق أجرة، كان شاهداً في صغره على سقوط شقيقته في البئر وقتل والده لأمه. يعيش يتيماً ووحيداً في شقة في المدينة الحديثة، فاقداً
للذاكرة.
يصادف أن ترافقه فتاة أثناء عمله إلى منزل مهجور في المدينة العتيقة، وكان هذا المنزل هو نفسه الذي شاهد أمامه حفلة لموسيقى «السطمبالي» بعدما قاده حريف الى هناك. تبين في ما بعد أنّه عضو في مجموعة موسيقى «السطمبالي». وبعد دخول الفتاة إلى البيت المهجور في ليلة ممطرة، تنطلق رحلة يوسف في النبش في ذاكرة عائلته واستحضار الماضي. بتردده على الحي، يتعرف يوسف إلى شيخ طريقة من الطرق الصوفية (الفنان صلاح مصباح)، يفاجئه بأن المنزل الذي تقيم فيه الفتاة مهجور منذ ٣٠ سنة، وينصحه بعدم الاقتراب منه لأنّه مسكون بـ «ناس أخرى» (أرواح شريرة). مع ذلك، يصر يوسف المأخوذ بسحر تلك الفتاة الغامضة التي أوصلها في ليلة ممطرة، على دخول البيت. وتحت تأثير موسيقى السطمبالي ورؤية مجموعة من الصور القديمة، تستيقظ ذاكرة يوسف ويستحضر كل المشاهد الدامية التي عاشها في طفولته.
الشريط الذي يبدأ بنسق بطيء في البداية، ترتفع وتيرة أحداثه بشكل متواتر. يكتشف المشاهد دراما إنسانية أخاذة يتداخل فيها الواقعي بالغرائبي وسحر الموسيقى السطمبالي بسحر العمارة العربية الاسلامية في المدينة العتيقة وجمالية المعمار الكولونيالي في مستعمرات فرنسا القديمة. لذلك، يمكن اعتبار هذا الشريط الذي استعار المصطلح الصوفي «الزيارة» (موعد اسبوعي أو سنوي لزيارة الاولياء الصالحين في طقس احتفالي) سيبقى في ذاكرة الجمهور التونسي باعتباره شريطاً خارج كليشيهات السينما التونسية.