بيار أبي صعب


تحار وأنت تقرأ أدونيس اليوم، كيف تتعامل مع نصّه. ذلك أن تاريخاً من الشعر يعشّش في لغته... وتاريخاً من الاجتهاد والفكر النقدي والوعي الثقافي يستبطنه كل نصّ من نصوصه. تبحث عن الشاعر باستمرار بين طيّات الكتاب، بما هو وجدان عصر، ورائي مرحلة طوت أحلامها واندثرت، وصدى مشروع أجهضه الانحطاط. لم يُنجَزِ المشروع الجماعي، لكنّ الشاهد المفرد بقي هنا، كأنّه العرّاف تريزياس، يهيم على وجهه في القفار، يروي ما كان عليه أن يكون، عشيّة طوفان جديد آت لا محالة. نصوص مكثّفة، أو كتابات تتزلّج على أمواج المناسبة، تتخذ من الزمن الخارجي ذريعة وزخماً. قصائد حديثة نسبياً، أو أخرى تعود إلى تسعينات القرن الماضي... كل أدونيس هنا، في كل واحدة من إطلالاته. بعضهم يرى أن الشاعر يكرر نفسه ربّما، بعضهم الآخر يتوقّف عند «زلاته» السياسيّة ليتبيّن فيها «خيانة» تارةً أو «استقالة» طوراً، وتنازلاً للأمر الواقع في كل الأحوال. لكن من يمكنه أن يتوقف عن قراءة أدونيس؟
إن صدور كتابين جديدين لمهيار الدمشقي خلال أقلّ من شهر عن «دار الساقي» في بيروت، يبقى مناسبة تستحق الحفاوة أولاً. وتستوجب العودة إلى النص نفسه، مرجعاً وحيداً لقراءة تلك المسيرة الحافلة التي لم تتوقف عن إعادة إنتاج نفسها. «إهدأ هاملت/ تنشّق جنون أوفيليا» ثم «ورّاق يبيع كتب النجوم»: يسأل القارئ نفسه باستمرار، إذا كان في حضرة كتابات نظريّة، أجزاء من سيرة مموّهة، تأملات حكميّة، يوميّات مبعثرة تتنكّر في عباءة القصيدة... أم لعلّه الشعر حيث لا ننتظره أبداً، سجلّ الوجود، أرق الرائي، سيرة تصاعديّة إلى الباطنيّ والسريّ والمجرّد؟ «على عتبة المقهى، في أوّل الشارع، كان الشعر يذهبُ ويجيء على شكل عرّاف،/ في نهارٍ كمثل خرقة تبلّلت بماء موحل».