باريس ـــ عثمان تزغارت


•صاحب «الأرض» بين النبرة الواقعية وبريق الاستعراض

المعلِّم الإسكندراني لم يفقد شيئاً من جرأته. فيلمه الجديد «هي فوضى» الذي ينطلق على الشاشات العربيّة، يعرّي الواقع المصري، ويعبّر عن معاناة المسحوقين في الأرض. وقريباً يحتفل يوسف شاهين بعيده الثاني والثمانين

في السادس والعشرين من الشهر المقبل، سيحتفل السينمائي المصري الكبير يوسف شاهين بعيد ميلاده الثاني والثمانين. لكنّ المرض والتقدم في السنّ لم ينتقصا على الإطلاق من حماسة «المعلّم» الإسكندراني الكبير الذي يبدو شاباً في العشرين، لم يفقد شيئاً من جرأته ومزاجه الناري وروحه المشاكسة و... نزقه أحياناً. ألم يُثر زوبعةً جديدةً من الجدل في مصر، حين قال أخيراً في حوار تلفزيوني إنّ «الستّ» أم كلثوم «ترجّته» ليصوّر كليباً لإحدى أغانيها، فردّ عليها ساخراً: «إيه الهبل ده»؟ أما ممثّلته المفضّلة يسرى التي غامرت بسؤاله: «كيف اخترتني أول مرة للتمثيل تحت إدارتك؟». فجاءها الرد مفاجئاً: «اخترتكِ من الفراش،
مش فاكره؟».
والمشاكل الصحية المتكرّرة التي يعانيها منذ عام 2001، لم تمنع يوسف شاهين من أن يحقّق واحداً من أفضل أعماله منذ عقد كامل. فيلمه الجديد «هي فوضى» الذي عُرض أخيراً في مهرجانات البندقية وتورنتو ولندن، ويُرتقب أن يُطرح في الصالات العربية هذه الأيام، يعود بمحبي السينما الشاهينية ــــ بعد طول انقطاع ــــ إلى ألق وبهاء «المرحلة الواقعية» التي صنعت شهرته، ودفعت به إلى مصاف كبار صناع السينما العالمية. وكان من أبرز محطّاتها «باب الحديد» (1958) و«الأرض» (1970) و«العصفور» (1974).
بذلك يطوي يوسف شاهين صفحة «المرحلة الخطابية» التي جعلت أفلامه، منذ «المصير» (جائزة الذكرى الخمسينية لمهرجان «كان» ــــ 1997)، تغلِّب النضالية الفكرية على الجوانب الفنية والحسّية، بسبب المعارك السياسية التي دخلها إثر زوابع الجدل والتكفير التي صاحبت حظر عمله «المهاجر» (1994).
في فيلمه الجديد، لم يتخلَّ يوسف شاهين عن النبرة النضالية والمرافعة السوسيولوجية ضد مختلف مظاهر الظلم والقمع والاستبداد. فهو يتناول هنا عدداً من القضايا الساخنة التي تشغل المجتمع المصري، كالفساد السياسي والاقتصادي والعنف البوليسي الذي سُلِّطت عليه الأضواء الكاشفة أخيراً بفضل أفلام الموبايل ومدوّنات الإنترنت.
وعلى رغم أنّ «هي فوضى» جاء أقرب إلى أسلوب «الكوميديا الموسيقية» الرومانسية منه إلى «الواقعية الجديدة»، إلا أنّ ميزته الرئيسة أنّه ــــ بخلاف كل الأفلام التي حقّقها شاهين خلال العشرية الماضية ــــ يغلّف مرافعاته السياسية والفكرية في قالب فني، لا يستند فقط إلى قدراته الأسلوبية ولغته البصرية المميزة، إذ إنّه يقوم أيضاً ــــ وهذا ما افتقده كثيرون من محبي فنّه في أفلام عشريته الأخيرة ــــ على سيناريو متماسك لا يكتفي بمحاكاة الواقع الاجتماعي أو مساءلته، بل ينحت منه شخصيات لها من العمق الإنساني والدلالة الرمزية ما يخوّلها أن تبقى ماثلة في أذهان محبي السينما الشاهينية لسنين طويلة، وذلك على غرار شخصيات «قناوي» في «باب الحديد» (1958) أو «بهية» في «العصفور» (1970) أو «يحيى» في الثلاثية الإسكندرانية: «إسكندرية ليه» (1979)، «حدوتة مصرية» (1982)، «إسكندرية كمان وكمان» (1990)... التي سعى شاهين إلى محاكاتها في فيلم رابع مستوحى هو الآخر من سيرته هو «إسكندرية ــــ نيويورك» (2004)، لكن مضمونه لم يرق إلى مستوى روائع تلك الثلاثية.
على صعيد آخر، يسجّل يوسف شاهين في فيلمه الجديد عودته إلى عوالم المحلّية المصرية الأثيرة لديه، بعد تهويمات عقد كامل من السينما ذات المنحى العالمي، أو بالأحرى المعلوم، التي سعى إلى تحقيقها من «المصير» (1997) إلى «الآخر» (1999) إلى «سكوت ها نصوّر» (2001).
واللافت أنّ يوسف شاهين حين يعود إلى الغَرف من الخصوصية المحلّية المصرية يقترب أكثر من العالمية. فالتيمة الاجتماعية التي يقدّمها مستوحاة من الواقع المصري، لكنها تقارب معاناة المسحوقين في بلدان كثيرة. وهو بذلك يرقى إلى العالمية، من دون أن يقع في مطب المفارقات الفنية التي جعلت مثلاً الشخصيات الأميركية في «الآخر» و«إسكندرية ــــ نيويورك» تتحدث اللهجة المصرية بالطلاقة نفسها التي يتقن بها الفيلسوف الأندلسي ابن رشد في «المصير» لهجة أبناء النيل!
المشاكل الصحية التي واجهها شاهين في الأشهر الماضية، جعلت أقرب وأوفى تلامذته، المخرج خالد يوسف، يتولى استكمال إنجاز هذا الفيلم، وكان سبق أن فعل ذلك مع «سكوت...» إثر وعكة شاهين الأولى في عام 2001، ما يفسّر مبادرة شاهين ــــ التي كان خالد يوسف أول من فُوجئ بها ــــ إلى إدراج توقيع «تلميذه» كمخرج مشترك معه، على جينريك هذا الفيلم.
وعلى رغم مصاعب المرض، إلا أن جذوة الشباب وحماسته اتّقدتا مجدداً في أعماق المعلّم الإسكندراني، بعد الحفاوة النقدية اللافتة التي استُقبل بها فيلمه في مهرجان البندقية الأخير، إذ قال في المؤتمر الصحافي الذي أتبع العرض إنّه لا يهتمّ كثيراً بأعراض الشيخوخة، بل يشعر كأنّه في العشرين. وأضاف أنه يعتزم منافسة عميد السينما العالمية، البرتغالي مانويل دي أوليفرا الذي سيتزامن احتفاله خلال العام المقبل بعيد ميلاده المئة مع صدور فيلمين روائيين جديدين له، هما: «المرآة السحرية» و«كريستوف كولمب: اللغز» الذي سيؤدي دي أوليفرا أيضاً أحد أدوار البطولة فيه!
أمامنا، إذاً، سنوات طويلة أخرى من العطاء. فهل يكون فيلم «هي فوضى» فاتحة ثلاثية «واقعية جديدة» تضاف إلى المسار الحافل للسينما الشاهينية؟