strong> سعيد ولد خليفة


يُقال إنّ ممثلاً من كبار نجوم السينما المصرية صاح حين عُرضت عليه بعض اللقطات الجريئة من فيلم ناهد شريف «ذئاب لا تأكل اللحم»، بأنّ الأمر يتعلق بمؤامرة صهيونية تهدف إلى تشويه سمعة السينما المصرية. وكان بذلك يستنكر مشاهد كانت تُعدّ في السابق عادية جداً، قبل أن تكتسح العالم العربي موجة الاحتشام المصطنع التي تريد تغطية كل ما هو حساس ومحرج، تحت معطف كثيف من النفاق والرياء الاجتماعيين.
على الرغم من هذه الموجة الطهرانية التي تلقي بظلالها الكثيفة على الحياة الثقافية المصرية، فإن حفنة من السينمائيين ما زالوا يصرّون على ممارسة فنّهم بشجاعة وموهبة لافتتين. عميد هؤلاء هو، بلا منازع، السينمائي الكبير يوسف شاهين. ولا مبالغة في القول إنّ صاحب «العصفور» أصبح على مر السنين يشبه أكثر بطل فيلمه «المصير» الفيلسوف ابن رشد. لكن نضالات شاهين تدور اليوم في بيئة أبعد ما تكون عن البيئة الأندلسية. أما مقارنته بـ«دون كيشوت»، فتبدو ناقصة بدورها. بخلاف بطل سيرفانتيس، لا يقاتل يوسف شاهين طواحين الهواء، بل يبارز عدواً فعلياً ماثلاً أمام أعين جميع مواطنيه: التسلط والفساد. يقول شاهين: «في «هي فوضى»، أردت وضع إصبعي على جرح غائر في حياة أبناء بلدي ومصيرهم. أتساءل لماذا لم يعد هؤلاء قادرين على إسماع صوتهم، والتدخل في شؤون بلدهم؟ إنّهم محرومون كل شي تقريباً. من التربية، ومن وسائل الثقافة والإعلام. وفضلاً عن ذلك، يعانون وطأة القمع الذي يفرضه عليهم النظام الحاكم».
ويمكن أن نضيف أن هذه «الفوضى» التي يصفها شاهين ليست حكراً على مصر، بل هي حال العالم العربي بأكمله. حي شبرا الذي تدور فيه أحداث الفيلم أشبه بميكروكوزم يلخّص واقع كل البلاد العربية، حيث لا يمكن الوثوق في جهاز العدالة، ولا في البوليس، ولا في رجال الدين، أو في أي شيء له صلة بالدولة التي يُنظر إليها دوماً من المواطن المصري/ العربي بوصفها رمزاً للقمع والتسلّط.
منذ قيام الثورة ومصر تزداد انغلاقاً سنةً بعد سنةً، لتفقد تدريجاً ذلك التنوع الثقافي الذي صنع ثراء فكرها وإشراقته. وهذا ما يسلّط عليه شاهين الضوء في «هي فوضى»، من جدار الفكر الأحادي التسلطي الذي تصطدم به موجات متتالية من الطلبة الغاضبين والشبان اليائسين العاطلين من العمل، والعشاق المحرومين.
وتكمن قوة هذا الفيلم أساساً في كون شاهين اختار أسلوب الاستلهام الحكائي للأحداث والأوضاع الاجتماعية، بدلاً من أسلوب الاستعراض الفكري الذي طبع عدداً من أفلام مرحلته الأخيرة. لذا، رغم أنّ هذا «هي فوضى» جاء أقرب إلى أسلوب الكوميديا الموسيقية التي استعار بعض قواعدها الميلودرامية، فإنّه يسجل عودة شاهين إلى إرث «السينما الواقعية» التي كان صاحب «الأرض» و«باب الحديد» أحد روادها العرب.
في هذا الفيلم يعود إلينا يوسف شاهين كما نحبّه، سينمائياً إنسانياً من سلالة كين لوتش. كذلك نعثر أيضاً على السمة المشتركة بينه وبين بيدرو ألمودوفار، وهي الشغف الدائم بأسلوب الكوميديا الكيتش. وما من شك في أن المشاهد المصري والعربي سيجد في هذا الفيلم، بين ضحكة وتنهيدة، فرصةً للتأمل واستذكار السؤال الوجودي الذي طرحه لويس أراغون في قصيدته الشهيرة: «أهكذا يحيا البشر؟».