strong>مهى زراقط


يسعى منظّمو المؤتمرات عادةً إلى أن تكون الجلسات الختامية لأعمالهم «مسكاً»، وخصوصاً إذا كانت الجلسة الافتتاحية كذلك (مع الصحافي لورنس بنتاك). وأيّ أمر يمكنه أن يشكل «مسكاً» لإعلاميين أميركيين وأوروبيين، أكثر من الاستماع إلى تجربة الصحافيين اللبنانيين في تعاملهم مع الأزمة التي تشغل العالم منذ سنتين؟
اختيار موفق إذاً من منظمي مؤتمر «صراعات الشرق الأوسط في الإعلام: الرقابة وأشكال العرض» الذي عقد في بيروت يومي 8 و9 تشرين الثاني (نوفمبر) في «المدرسة العليا للأعمال». يؤكد هذا الأمر ارتفاع عدد الحاضرين في القاعة، نسبةً إلى غيرها من المحاضرات الممتعة التي عرض فيها المحاضرون جوانب مختلفة لإشكاليات المهنة في دولهم أو الدول التي عملوا فيها.
تعدّ هذه المقدّمة ضرورية لفهم ما أثارته الجلسة الأخيرة من نقاش، كان أساسه خلاصتين قدّمهما كلّ من محمد أبي سمرا: «يعاني الجسم الصحافي اللبناني من حالة غثيان أو موت سريري»، وفداء عيتاني: «باتت الصحافة اللبنانية هي الأزمة، وبتنا نتسابق للوصول إلى الانحطاط».
وإذا كان عيتاني قد توصل إلى خلاصته بعد تقديم مقاربة نقدية للعمل الإعلامي، بمؤسساته، تساءل فيها عن دور الصحافي اللبناني في هذه الأزمة... فإن الخلاصة الأولى جاءت حصيلة أحكام وانتقادات موجهة إلى الجسم الصحافي اللبناني عموماً. ومنها مثلاً أن الصحافيين اللبنانيين منقسمون سياسياً (وكأنّ الصواب أن يكونوا متفقين سياسياً)، وأن الصحافيين السياسيين، ليسوا أكثر من ناطقين باسم الشخصيات التي تزوّدهم بالأخبار.
هذا التعميم دفع إحدى الحاضرات إلى طرح سؤال عن المدارس التي يتخرّج منها الإعلاميون اللبنانيون، واقتراح إرسالهم للدراسة في الخارج، لكي يتعلّموا الصحافة ثم يعودوا بعدها للعمل في لبنان. وعوض أن يأتي الردّ على هذا السؤال، باستدراك الخطأ السابق (التعميم)، والاعتراف، على الأقلّ، بوجود استثناءات ــــ بدليل تشكيل الصحافيين اللبنانيين عماد معظم المؤسسات الإعلامية العربية ــــ استفاض أبي سمرا في التسطيح والسخرية: من معلومات خاطئة عن كليات الإعلام في لبنان (فهي «غير المنتشرة في كامل فروع الجامعة اللبنانية»، كما ذكر... وتُخضع الطلاب لامتحان دخول، أي إنها ليست بالضرورة ملاذَ من لم يجد له مكاناً آخر، كما ذكر أيضاً). ثم انتقادات شملت كلّ أساتذة الإعلام (وقد تكون صحيحة في حالات معيّنة)، وصولاً إلى ملاحظة تفيد بأن كليات الإعلام هي كليات الفتيات... ملاحظة دقيقة هذه المرة، لكنها إن وجدت، فهي لا تدعو إلى استغراب أن يكون هناك الكثيرات من الإعلاميات... كما استغرب هو(!) اللواتي «يحسنّ ارتداء الثياب»، على حدّ قوله.
غير أن أبي سمرا أحسن في ردّ أسباب المشكلة التي يعانيها الإعلاميون إلى أنهم لا يطلبون الكثير من أنفسهم... هنا فقط يمكن القول إنه كان محقاً، وإنه كان ينظر إلى نفسه في المرآة (كما تفعل جريدة «الأخبار» اليوم، حسب قوله أيضاً)، إذ لم يكلّف نفسه عناء إعداد مداخلة مهنية علمية، تفتح نقاشاً أعمق عن الصحافة اللبنانية التي وصفتها الباحثة الإيطالية دانييلا كونت بأنها الأفضل والأكثر ديموقراطية في الوطن العربي.
لكن هذا لم يحل دون إثارة نقاش أكثر جدية، كشف رغبة اللبنانيين في معرفة المزيد عن «مطبخ الخبر اللبناني»، وتمويل المؤسسات الإعلامية، إضافة إلى الظروف السيئة التي يعمل ضمنها الصحافي... ما أتاح خروج هذه الجلسة بأقلّ الخسائر الممكنة، من دون أن ترتقي إلى مستوى غيرها من الجلسات.
يذكر أن المؤتمر من تنظيم «المعهد الفرنسي للشرق الأدنى» بالتعاون مع «المعهد الألماني للأبحاث الشرقية» ومؤسسة «فريدريش إيبرت».