strong>حسين بن حمزة


• مترجم رشيد الضعيف ورؤوف مسعد خارج الإكزوتيك

على مدوّنته نقرأ عن «ربيع الثقافة في البحرين» ومسلسل «باب الحارة» والموجة الإباحية في الرواية السعودية، عن هيفا وهبي والدعاة الجدد... أما الأدب العربي المعاصر الذي يُعدّ من أبرز اختصاصييه في فرنسا، فيعتبره مرآة لقراءة لحظتنا السياسية والاجتماعيّة

إيف غونزاليس كيخانو ليس مجرد مترجم لكتب وروايات عربية إلى لغة موليير. إنه منخرط وربما متورط في ثقافة العالم العربي بالمعنى العميق والمتعدد الطبقات للكلمة. ولهذا يعرِّف عن نفسه بأنّه باحث في العلوم الاجتماعية، وأنه يرى الظواهر الثقافية من منظور سوسيولوجي، وأن الترجمة ليست إلا جزءاً من عمله باحثاً. ويدافع عن فكرة أساسيّة، هي أنّ النصوص العربية (وغير العربية أيضاً) تقدّم للقارئ الفرنسي والأوروبي مادةً أدبيةً، لكنّها، في الوقت عينه، تمنحه الفرصة للتوغّل في الثقافة والتقاليد والبيئة الاجتماعية والسياسية التي تحدث فيها هذه النصوص. الكاتب برأيه، شاء أم أبى، يوفر هذه القراءة المزدوجة.
يقول إيف الذي زار بيروت أخيراً، بدعوة من «معهد غوته» و«جمعيّة أمم»، للمشاركة في ندوة «الفنّ في ميزان الحريّة»: «علينا أن ننتبه إلى أنّ الأدب له هوية اجتماعية وسياسية وفكرية، وعلينا ألا نهمل قراءته من هذا المنظور. الكتابة ليست أساليب وتقنيات سردية فقط. هذا النوع من التحليلات والتأويلات غير شائع في العالم العربي، لكنّها تمكّننا من فهم حقائق وتفاصيل كثيرة عن وضع المثقف أو الكاتب، وعلاقته بالسلطات والمجتمعات التي يعيش فيها. وأنا أعني هنا مطلق مجتمع لا المجتمعات العربية فقط».
لكنّ القراءة الاجتماعية والسياسية لما يصدر من ترجمات عربية، باتت مصدر شكوى للكتّاب العرب الذين يريدون أن تُعامل نصوصهم كأدب أولاً وأخيراً، لا كوثائق؟ لا يستسيغ غونزاليس هذه الشكوى، ويقول باستياء: «حتى لو كان ثمة بعض الصواب في هذا، فما المشكلة؟ أليس هذا أفضل من لا شيء؟ برأيي القضيّة معقّدة، لأنّ الترجمة ليست اختيار نصوص بسبب جودتها فقط. الترجمة مقيّدة بعوامل تجارية واقتصادية أيضاً. وهناك مشكلة إضافية هي أنّ الترجمة فقدت معناها الحقيقي وتحولت معياراً لأهمية الكتَّاب، وهذا مردّه عقدة نقص لدى المبدع العربي الذي يتصور أنّ الاعتراف الفعلي بجودته وأهميته يأتي من القارئ الأجنبي لا العربي. هناك كتّاب يفاخرون بهذه النظرة وهي نظرة مشوّهة، لأن دور النشر الأجنبية والمترجمين لا يختارون الجودة فقط، بل ما له صدى معقول لدى القارئ الأوروبي».
ويكشف غونزاليس عن فكرة أساسيّة حين يرى أنّ هذا النوع من القراءة مهم بالنسبة إلى قارئ النص الأدبي أيضاً، مثلما هو مهم بالنسبة إلى منتجه. في رأيه أنّ اهتمام أفراد معيّنين بالثقافة العربية يعود إلى ميول وأسباب شخصية. في حالته هو، يُبرز كيخانو أصله الأجنبي (أجداده من إسبانيا)، وتكوينه الأدبي، وانتماءه إلى جيل الـ68، كعوامل أساسية لعمله: «جيلنا خرج من تجربة استعمار الجزائر، وعاش بقايا اليسار الأممي، وكان معظم نشاطنا الفكري موجهاً إلى الخارج. فتَّش جيلنا عن طريقة للتوغل في الأشياء المستترة والمحجوبة. وكانت مراجعة الاستشراق ونقده جزءاً من هذا، إضافة إلى الانخراط في المجال السياسي المباشر. وفي سبيل ذلك، بدأنا حواراً مباشراً مع المجتمعات العربية والإسلامية. الفرق بيننا وبين المستشرقين القدامى تتمثّل في أنّ علاقتهم بتلك الثقافات كانت علاقة قوة، إن لم تكن ازدراءً. وقد اهتموا بما هو مكتوب، بينما انصبّ اهتمامنا على الثقافة الشفوية والسير الذاتية والسينما. هم اهتموا بالخطاب الديني، بينما اهتم جيلنا بالظواهر الاجتماعية للدين». ويرى غونزاليس أنه إن كان ثمة فائدة لما فعلوه، فلا شك في أنّ الفائدة الحقيقية والوحيدة تعود إلى مجتمعاتهم الأوروبية. هم لا يخدمون الثقافة العربية فقط بل يعملون لأجل أنفسهم: «إذا لم نفهم ما يجري هنا فهذا يعني وجود نقص معرفي خطير. فالعالم العربي ليس خارجاً بالنسبة إلى أوروبا. نحن شركاء في تجارب عدّة وتاريخ طويل. عدم معرفتنا بالجانب العربي يمثّل نقصاً في معرفتنا بتاريخنا».
على الصعيد الشخصي والخاص، يبرِّر غونزاليس ميوله في كون الثقافة العربية لا تزال ثقافة تقاوم الوجوه السلبية للعولمة. ثقافة لها تاريخ وتراث وقريبة في الوقت نفسه من ثقافته المتوسطية. وهي ثقافة تبحث عن حلول خاصة، يمكن أن تكون مفيدة للأوروبيين أيضاً. من جهة أخرى، يرى غونزاليس أنّ هناك مهمتين أمام العالم العربي في الوقت الحالي. الأولى هي محاولة تصدير إنتاجه الثقافي، لأنّ المجتمعات الأوروبية ليس لديها فكرة صحيحة عن حقيقة ما يجري هنا. المهمة الثانية هي أن يعرف العالم العربي أن البحث عن الحداثة عبر الطريق الأوروبي سيؤول إلى الفشل. وإذا كان للأوروبيين أن يقوموا بعمل مفيد، فهو أن يكفّوا عن قياس تجارب المجتمعات الأخرى بمقاييسهم: «المؤسف أن معظم مجتمعاتنا لا تزال مقتنعة بأن الجواب الوحيد يمر عبر الأجوبة التي أوجدتها هي. مثال على ذلك: سنعترف بديموقراطيتكم ولكن عليكم أن تقبلوا بالنسخة التي لدينا».
يسحب غونزاليس هذه النظرة على المستوى الأدبي، فيرى في ذلك عيّنة مصغّرة وشديدة الدلالة على التصورات النمطية التي تسود أوروبا، على رغم كل التطور الحاصل في وسائل الاتصال: «على المستوى الأدبي كنّا نفضّل نجيب محفوظ، اليوم نريد علاء الأسواني، أي نريد الصورة التقليدية للمجتمعات العربية ــــ كما هي في أذهاننا ــــ لنواصل استخدامها إكزوتيكياً. رواية مثل «عمارة يعقوبيان» لاقت رواجاً واسعاً في فرنسا، لأنها تعزز الصورة المسبقة لمشاكل المجتمعات العربية. قد تكون الرواية جميلة، لكنّ المشكلة أنّها تقدم الصورة التي نريدها. وهذا في النهاية ليس ذنب الأسواني».
في المقابل، يقرّ غونزاليس بأنّه يميل إلى أدب آخر، ويذكر صنع الله إبراهيم ورشيد الضعيف كمثالين على ذلك. لماذا؟ يقول كيخانو: «لأنهما يقدمان صورة مزعجة ومستفزة للجمهور الفرنسي والأوروبي. هما يعطيان صورة للحداثة الثقافية العربية مخالفة للذائقة الأوروبية المسبقة. هذه هي الصورة العامة للكيفية التي يتم بها تلقّي الترجمات العربية. هناك قراء يتجاوزون تلك الصورة، ويكتشفون الخطاب المحجوب والمختلف عن التصور المبتذل والجاهز عن العالم العربي. لكن هؤلاء قلة للأسف».
ويستعيد إيف غونزاليس كيخانو الفترة التي بدأت فيها دار «أكت سود» الفرنسيّة، بنشر سلسلة ترجمات عربية. يذكر مثالاً ساطعاً على التصور النمطي عن الأدب العربي: حين سلّم ترجمته لرواية «ذات» لصنع الله إبراهيم إلى الدار المعروفة، طلب أن يكون غلاف الطبعة الفرنسية حديثاً ومعاصراً مثلما هي الرواية نفسها، لكن الاختيار وقع في نهاية الأمر على صورة استشراقية! يقول غونزاليس إن الأمر أثار استياءه الشديد. وأحس «صنع الله نفسه بنوع من الإهانة، فالغلاف الذي وُضع لغايات ترويجية مبتذلة، كان مناقضاً ليس فقط لخيارات الكاتب وتوجهاته، بل حتى لمضمون الرواية وروحها!».