عبادة كسر


«خرج صبري حمادة من البرلمان الذي طوّقه الجيش الفرنسي، وهو يحمل بيدٍ العلم اللبناني وفي الأخرى بندقية. صودف وجود الدركي حسن عبد الساتر قرب باب البرلمان، فهرع باتجاه حمادة وأخذ منه العلم عنوة وتوجّه به إلى السارية ليعلّقه ويرفعه، صارخاً بصوت عال هتافات وطنية. أثار ذلك قلق حمادة على مصير الشاب، فقال له: «لوين طالع، بيقتلوك يا مجنون!». عندها أطلقت رصاصات من عسكري سنغالي ممن كانوا يطوّقون البرلمان، على رأس حسن فاخترقت الخوذة وأصابته مباشرة فوقع على الأرض ميتاً».
جميع مسنّي بعلبك يتحدثون عن سيرة من يسمّونه «البطل المغوار الدركي حسن موسى عبد الساتر» الذي افتدى الوطن بحياته، حتى غدت قصة استشهاده للجيل الجديد محطّ كثير من التساؤلات، من هو ذاك الشاب؟ كيف استشهد؟ ولماذا لم تذكره كتب التاريخ؟
القصّة بدأت بعيد أحداث أمنية وسياسية جرت في 1943، وقد أرسلت مجموعة من الدرك والشرطة ليتمركزوا قرب مجلس النواب، وكانت عناصر الدرك في معظمها من درك سيّار بعلبك، ومن بينهم حسن عبد الساتر الذي عُرف بين رفاقه بقوة بنيته وشهامته وصوته الجهوري. عندما وصل موكب النائب يوسف كرم أمام مقر المجلس النيابي، اندست بين الجماهير عناصر شغب وحاول أحد المتظاهرين زرع العلم الفرنسي مكان العلم اللبناني على باب البرلمان. وهنا تصدى له الصحافي نعيم المغبغب الذي أطلق الرصاص من مسدسه على محاولي إنزال العلم اللبناني، فبدأت المعركة وعمّت الفوضى. وفي حين اختبأ النواب ورجال الحكومة في زوايا المجلس، يروي أحد المسنّين في بعلبك نقلاً عن النائب الشيخ بشير الأعور الذي كان شاهداً على الحادثة، أنّ عبد الساتر كان يخترق الجموع المحتشدة ليصل إلى باب البرلمان ويمنع المتظاهرين من الدخول إليه. وعندما وصل، كان صبري حمادة يهمّ بالخروج حاملاً العلم، قرر عبد الساتر أن يرفعه فوق البرلمان وحدث ما حدث، فاستشهد الدركي في ساحة النجمة. ويتحدّث سكان بعلبك عن يوم تشييع عبد الساتر الذي وصل جثمانه إلى البلدة وسط حشود غفيرة، رافعة الأعلام اللبنانية الجديدة. وقبل وصول الجثمان إلى المدينة، كانت دائرة الأمن العام الفرنسي، وهي الدائرة الوحيدة التي كانت لا تزال ترفع علم بلادها فوق مقرها، رفض المشيّعون أن يمرّ الجثمان من تحت العلم وقاموا بإنزاله، ثم أكملوا طريقهم باتجاه وسط البلدة.
ظل قبر الشهيد في بلدته إيعات مزاراً لكل الشخصيات الرسمية. ويؤكد رئيس بلدية إيعات محمد حسن عبد الساتر أن الرئيس الراحل كميل شمعون كان يهوى الصيد في سهل إيعات، وكان يمرّ دائماً على قبر الشهيد عبد الساتر، ويضع له إكليلاً من الزهر، مختتماً رحلة صيده.
ويؤكد محمد عبد الساتر، الرجل الثمانيني وهو شقيق الشهيد، بأن أخاه «قُتل فدا الواجب الوطني» ويضيف: «نحن نفتخر بأننا قدّمنا شهيداً للاستقلال. وعلى الرغم من أنّ التاريخ لم ينصفه، فنحن نطالب الدولة فقط بردّ اعتبار لعائلته وأبناء بلدته بإقامة تمثال له في ساحة البلدة، لتبقى ذكراه حيّة لدى الأجيال الآتية».