غزة | «لسنا معالجين نفسيين أو مسيحيين صالحين، بل نحن مقاتلون لأجل الحرية». هذه العبارة لم تمت مع اغتيال صاحبها المخرج الفلسطيني جوليانو مير خميس (1958 - 2011) ابن الناشطة اليهودية آرنا مير التي ناضلت من اجل القضية. لقد صارت معادلاً موضوعياً لحياة من قرر ألا ينحرف عن سكة خميس الأب الروحي لـ«مسرح الحرية» في مخيم جنين (شمال الضفة). قبل حوالى أسبوع، عاش أمين سر الهيئة الإدارية للمسرح، مصطفى شتا، تلك العبارة بحذافيرها، دافعاً مِن حريته ثمناً لوجهة خميس المنحازة للأطفال ضد الدبابات، حيث حاصرت قوات الاحتلال الإسرائيلي منزله في المخيم واعتقلته في ساعة متأخرة من الليل.

وباعتقال شتا (35 عاماً)، بدا كأنّ رصاصات المسلحين التي اخترقت جسد خميس عام 2011 لا تزال تطارد القائمين على المسرح، أملاً في إصابة الحرية التي يحملها عنوان المسرح. هكذا، كان الباحث والصحافي شتا المعروف بتوجهه اليساري وموقفه الراديكالي من الاحتلال في مرمى الاعتقال الإسرائيلي، بعد أشهر قليلة على انتخابه في الهيئة الإدارية للمسرح، وها هو يقبع حالياً في سجن مجدو في انتظار جلسة محاكمته الأولى في محكمة "سالم" العسكرية.

وفي حديث إلى "الأخبار"، يستحضر محمد شتا، شقيق مصطفى، ليلة الاعتقال التي قاسى فيها جميع أفراد العائلة، قائلاً: "عند الساعة الثالثة والنصف من فجر الخميس الماضي، حاصرت قوات الاحتلال منزلنا من جميع الجهات، قبل أن تقتحمه ويطرحنا جنودها أرضاً بعد أمرنا برفع أيدينا". لم ينتهِ مسلسل الاستقواء هنا، بل "صعد الجنود إلى الطبقة الثانية، واقتحموا غرفة نوم مصطفى وزوجته وأخضعوه للتفتيش والتحقيق لحوالى ساعة قبل اقتياده إلى السجن"، يضيف محمد.


اعتقال مصطفى شتا مدير المسرح الذي أسسه الشهيد جوليانو مير خميس

هذا الانتهاك الصارخ لحقوق الإنسان دفع بـ«مسرح الحرية» والأمم المتحدة التي يعمل شتا تحت جناحها إلى توكيل محامٍ خاص له للمرافعة عنه أمام المحكمة الإسرائيلية يوم الأحد المقبل.
ورغم قصر المدّة التي أرخى فيها عمل شتا بظلاله على المسرح، إلا أنه تمكّن من حفر لمساته فيه، بحسب شهادة المدير العام للمسرح جوناتن ستانزك الذي قال: «يشكّل انضمام شتا إلى الهيئة الإدارية للمسرح مصدراً غنياً لنا، وخصوصاً أنه تميّز بنشاطه ومهارات الاتصال التي تعني لنا الكثير». هذه الشهادة تفسّر تفاعل المسرح السريع مع قضية شتا ومتابعة قضيته عن كثب. إذ أصدر المسرح بياناً جاء فيه: «لم نصل إلى أيّ معلومات عن شتا حتى الآن باستثناء أنّه سيُحوّل إلى المحكمة خلال أيام. ويقوم مسرح الحرية ممثلاً بطاقمه وموظفيه وإدارته بمتابعة حال مصطفى شتا والتواصل مع ذويه، وسنبذل كل ما بوسعنا لكي نراه مجدّداً معنا حراً وطليقاً». وكان يُفترض أن يطير شتا الذي يدرس الماجستير في "الجامعة العربية الأميركية" في جنين إلى المملكة المتحدة، بعدما حاز منحة من إحدى الجامعات هناك لمتابعة دراساته العليا. غير أن حلمه ارتطم هذه المرة بجدران السجن.