strong>بيار أبي صعب


• عن الاستبداد والأصولية... واليأس على الطريقة اللبنانيّة
ما الذي أتى بأبي القاسم الشابي ومحمود درويش وعادل إمام إلى المهرجان الذي اقترن تاريخه العريق بالمسرح الطليعي؟ وماذا بقي اليوم من «أيام قرطاج» في عهد محمد إدريس؟ جردة حساب عشيّة افتتاح الدورة الثالثة عشرة في العاصمة التونسيّة
كان يا ما كان «أيام قرطاج المسرحيّة»... هذا المهرجان الرائد الذي انطلق عام 1983 بإدارة المنصف السويسي، سرعان ما صار الموعد العربي الأبرز، فقدّم أهم التجارب الطليعية في المسرح، مشرقاً ومغرباً. تونس فرضت نفسها آنذاك، أي في ثمانينات القرن الماضي وتسعيناته، عاصمة المسرح العربي، بلا منازع. كانت مرحلة مباركة بالنسبة إلى الثقافة التونسيّة، والمسرح تحديداً. تلك المرحلة الخصبة بأسماء وتجارب طالعة من رحم المرحلة البورقيبية، تبلورت مع وصول جيل ترعرع في صخب السبعينات إلى موقع الصدارة.
صارت «أيام قرطاج» الموعد الذي لا يمكن أن يتخلّف عنه أحد. استقطب المهرجان من دورة إلى أخرى، كل أهل المسرح العربي، من نقاد وكتاب ومخرجين وممثلين، واحتضن الأعمال والنقاشات على اختلافها. أمّا شرعيّته وريادته، فاكتسبهما من الخصوبة التي تميّزت بها خشبات البلد المضيف: عشرات الأعمال والفرق التي نبتت في أرض خصبة، وفرزت جمهورها وفضاءاتها وتقاليدها. المسرح الطليعي التونسي نقل نقطة الارتكاز من القاهرة وبيروت إلى بلد علي بن عيّاد... «جيرار فيليب» تونس الذي كرّسه الحبيب بورقيبة نجماً وطنيّاً، كما قام الرئيس الراحل (وأب الجمهوريّة) بتكريس فنّ المسرح رافداً أساسياً من الروافد المكوّنة للشخصية الوطنيّة.
تلك الأيام قدّم «المسرح الجديد» ــــ الأسطوري ــــ عرضه الأنضج «عرب» (الفاضل الجزيري/ الفاضل الجعايبي)، ثم «العوّادة»، وقدم محمد إدريس «إسماعيل باشا» ثم «ونّاس القلوب»، وتوفيق الجبالي مع رشاد المناعي «مذكّرات ديناصور» ثم «حاضر بالنيابة» و«فمتلا»، ورجاء بن عمّار مع المنصف الصايم «أمل» ثم «ساكن في حيّ السيدة»، ورشاد المناعي «جنة على الأرض» و«في عزلة حقول القطن»... من دون أن ننسى عز الدين قنون في «قمرة طاح»، وآخرين... واستقبل المهرجان التونسي العريق روجيه عسّاف و«الحكواتي» في «إيام الخيام»، وريمون جبارة في «صانع الأحلام» (لبنان)، جواد الأسدي في «خيوط من فضّة» (العراق/ سوريا/ فلسطين)، عبد الواحد عوزري مع ثريا جبران في «حكايات بلا حدود» (المغرب)، الزياني شريف عيّاد في «الشهداء يعودون هذا الأسبوع» ثم «العيطة»، والمسرحي القتيل عبد القادر علّولة في «الأجواد» (الجزائر)، والراحل عوني كرّومي في «ترنيمة الكرسي الهزّاز» (العراق)... والقائمة تطول.
ثم دار الزمن دورته، ودخل المسرح التونسي في لعبة الاحتضار البطيء، من جراء حالة الاختناق الفكري والثقافي والسياسي التي راحت تحاصر تونس. هكذا فهمنا أن التجارب التي احتفلنا بها آنذاك، تشبه النجوم التي يصل ضوؤها إلينا متأخراً، فلا نراها حقاً إلّا بعد مرور زمن على انطفائها: كنا نصفق بحماسة لتجارب بارزة تعيش على زخم مرحلة منتهية. ومع تزايد وتيرة الانهيارات العربيّة، وتفاقم الاستبداد والفساد، وطغيان النموذج الأوحد، كان لا بد لهذه الحركة من أن تتراجع وتخمد. مع ذلك، بقي بعض المسرحيين الشجعان يقاوم في تونس، وينتج أعماله في ظروف صعبة.
مع نهاية التسعينات، تراجعت طموحات «أيام قرطاج» وتطلعاتها، ولم يعد المهرجان محجّة التجارب الطليعية والواعدة. لعلّ السبب هو المناخ السياسي أولاً، وتضاؤل هامش الاستقلالية والمبادرة التي كانت ذات يوم في يد الفنانين ومديري المهرجان المختلفين. لكن لا بدّ من الاعتراف بأن الانحسار الثقافي العربي، وتراجع الحركة المسرحيّة في مختلف الأقطار والعواصم، كان له أثره السلبي على حصاد «قرطاج» أيضاً. اليوم يعيش المسرح التونسي حالة يُتم وضياع واحتضار، فقد انحسر إنتاج العصر الذهبي، واختفت طروحاته ومشاغله وخناقاته الفنيّة. وحده الصراع من أجل البقاء بالحدّ الأدنى هو المحرّك الفردي والجماعي. جمهور المسرح نفسه تغيّر. يروي ممثلو ربيع مروّة الذي قدّموا أخيراً «نانسي» اللبنانيّة في تونس ضمن برنامج «نقاط لقاء»، أنهم لم يتعرّفوا إلى الجمهور. كان الناس يتكلمون ويعلقون ويدخلون ويخرجون من الصالة، كأنّهم في طاحونة! حين يحاصر الانحطاط مجتمعاً من المجتمعات، فإن فنّ المسرح هو أوّل الضحايا لأنّه يقيم علاقات عضويّة وحميمة بالجسد الاجتماعي، ويتأثر بأزماته وتحوّلاته.
محمد إدريس الذي يعدّ «شاعر المسرح العربي» بامتياز، ومن ألمع فناني جيله، استسلم لفخّ البيروقراطيّة، وتورّط مع المؤسسة الرسميّة، متمسّكاً بمنصبه وامتيازاته، على حساب المبدع الذي في أعماقه، ولم يقدّم عملاً يستحق الاهتمام منذ سنوات طويلة. صار همّه هو الحفاظ على الموقع الإداري (السلطة، دائماً السلطة!)، وسحْب البساط من تحت أقدام زملائه وأقرانه وشركائه في هذه المغامرة الاستثنائيّة التي هي المسرح التونسي. واليوم يطالعنا رئيس «المسرح الوطني التونسي»، ومدير هذه الدورة (13) من «أيام قرطاج المسرحيّة» (تقام مرّة كل عامين بالتواتر مع «أيام قرطاج السينمائيّة»)، بمهرجان باهت، فقد بريقه وقدرته على الإدهاش وإثارة الانفعالات والنقاش.
اختار المهرجان هذا العام أن يلعب بورقة الشعارات الرنّانة، والكلمات العقيمة المفرّغة من معناها. الدورة التي تُفتتح غداً، تُعقد تحت شعار «إرادة الحياة» (أبو القاسم الشابي تونسي لمن فاته الأمر)، وتكرم «مسرح الكفاح» من العراق وفلسطين ولبنان! أي مسرح والخشبات العربية مقفرة؟ وأي كفاح في زمن «أنابوليس»؟ كما اختار المهرجان أن يخبئ هزاله خلف ورقة التوت المعروفة: دعوة مجموعة من النجوم (تلفزيون وسينما تجاريّة) الذين لا علاقة لهم بالمسرح، أو الذين يمثلون أكثر أشكال المسرح إسفافاً واستهلاكيةً. هناك عادل إمام لتأمين الإقبال والضجة الإعلاميّة، وعلى وجه الخصوص نجم الدورة المطلق الشاعر الفلسطيني محمود درويش يأتي حاملاً على صدره «وسام السابع من نوفمبر» الذي منحه إيّاه الرئيس زين العابدين بن علي، ليحيي أمسية
شعريّة في قرطاج. نحن نحب شعر درويش طبعاً، لكننا كنا نظن أننا أتينا مهرجاناً مسرحياً. صحيح أن «مهرجان الخريف» الباريسي العريق قدّم شعر درويش ممسرحاً قبل أسابيع، لكنّ برنامج المهرجان ــــ المتنوّع الاهتمامات ــــ كان حافلاً بأعمال مسرحيّة بارزة من العالم أجمع.
لكن، لماذا لا نكون إيجابيين بعض الشيء، ونتوقّف عند موعدين أساسيين في «أيام قرطاج المسرحيّة» هذا العام؟ سيشارك من لبنان الثنائي غبريال يمّين ورندا أسمر في مسرحيّة «النشيد» (عن نصّ للمجري جورجي شويدا) التي تقول اليأس على الطريقة اللبنانيّة. صحيح أن العمل أُنتج قبل أكثر من سنتين، ودار حول العالم وصولاً إلى «المسرح التجريبي» في القاهرة... لكنّه يعطي جمهور قرطاج فرصة مشاهدة عمل ينتمي إلى المسرح الصرف، بكلّ مقوّماته وجمالياته وتقنياته، ويذكّر بالسنوات الذهبيّة للمسرح اللبناني.
ومن جهة أخرى، تتصدّر المهرجان مسرحيّة عن الاستبداد السياسي والخطر الإسلامي. إنها «خمسون» الفاضل الجعايبي (نص جليلة بكار، كوريغرافيا نوال إسكندراني) التي تحمل خطاباً تنويرياً، من دون أن تمالئ النظرة الغربية الاختزالية للصراع، وتذهب بكثير من التواضع والاحترام في اتجاه «الطروحات الإسلامية» لفهمها ومناقشتها الهادئة. يذكر القراء طبعاً أن هذا العمل عرض في باريس وطوكيو قبل أن تتنازل السلطة وتسمح بعرضه في تونس، تحت ضغط أهل المسرح والثقافة والرأي العام... أي إن المقاومة ما زالت ممكنة، بل ومطلوبة، داخل «أيام قرطاج» وخارجها!

www.jtcfestival.com.tn