فاروق سلوم


كانت مدينة الحبانية (80 كلم غرب بغداد) ملاذ الطفولة الأول لسركون بولص (1944). وكانت بطابعها المميز بصفتها قاعدة قديمة للقوات الجوية البريطانية منذ عشرينيات القرن الفائت، تنطوي على تفاصيل ذاكرة مثقلة بماء بحيرة الحبانية والخضرة الباهرة وأشجار الأوكالبتوس التي جلبها البريطانيون معهم من الهند وآسيا. كل هذا وسط الصحراء الغربية لبلاد النهرين وفنائها المطلق وعطشها اللانهائي. هكذا، تشكّلت عند سركون رؤية المكان وتناقضاته. وهذه العناصر جعلت هذا المكان صانعاً للملذّات والرموز والمعنى... وقد لازمت سركون بولص فكرة «الصياد» التي يطلقها على الشاعر، فهذا الأخير بالنسبة إليه هو صياد رؤى ومكتشف ملاذات وحالم يقتنص نجوم حروفية من سماءات شتى.
عندما انتقل إلى كركوك مع عائلته عام 1956، كانت المدينة مركز صناعة النفط الأول ومقرّاً لشركة النفط العراقية البريطانية «آي بي سي». لذلك، كانت لها ميزاتها المؤثرة في بنية الشاعر. ومن هنا، أرسل سركون وهو في الـ 17 من العمر أوّل 16 قصيدة إلى يوسف الخال، فاحتفت مجلة «شعر» بهذا الصوت الخاص المصنوع من خامة الشعراء الكبار. صارت بيروت حلماً وكركوك ملاذاً. كانت بيروت نسمة الحداثة والأفق المفتوح على حوارات الآخر ونتاجه ورمزاً مطلقاً للحرية. وكانت كركوك مدينةً حيةً تضجّ بالتنوع الحضاري والديني والعرقي، حولها عشرات الأديرة الضاربة في القدم والتي شهدت خلال القرن الثالث الميلادي هجمات الروم والفرس الزرادشتيين معاً. وكانت أيضاً مدينة النوادي والأفلام الحديثة والسهرات والمجتمع المتنور المفتوح. وكادت مشاهدات بولص في الحياة وفي السينما تدفعه إلى ترك الشعر ليصبح ممثلاً تارةً ورسّاماً طوراً.
الا أنّ طبيعة الشاعر فيه كانت قد شملت كل تلك الميول إلى جانب الموسيقى الشرقية التي عشق مقاماتها بدءاً من تهليلات الأديرة والكنائس وصولاً إلى البلوز والجاز. وهنا، لا بد من أن نذكر بأنّ كركوك كانت هوية وخاصية ثقافية لازمت جيلاً كاملاً من مثقفي العراق وكتّابه هم مثقفو كركوك أو ما سُمّي لاحقاً «جماعة كركوك».
ثم كانت بغداد... بغداد التي تعرّف إليها سركون كانت يومها مدينة المكتبات، ودور السينما والمقاهي والنوادي الليلية وفرق الباليه والعروض العالمية... ومدينة المقاهي والملاذات. وكان الشاعر يذكر أسماء أماكنها دوماً في شعره. وعندما قطع المسافات هارباً من جنون البلاد عام 1968، كانت بيروت المكان والحلم حيث تنفتح الدنيا على مجاهل كثيرة، وسط قشعريرة الدفء الذي منحتها إياه المدينة والميناء والمقاهي. وصحبة يوسف الخال، أنسي الحاج، أدونيس، توفيق صايغ وأسماء هي دلالة بيروت على الثراء والخضمّ المفتوح على كل موج.
كل مدن لبنان وقراه هي مغزى لدفء قائم ومفقود، سيظل يلازم الشاعر في هجراته في حنين لا ينتهي إلى بلاد الرافدين. كأن الجينات التي يحملها ترفض أن تتلاقح مع الغربات. لكنّه في قرية شطين حيث كان يمضي مع صديقه وديع سعادة بعض الوقت، غاص في آلام بودلير وقصائد متنورة كثيرة... ثم قرأ ثلاثين قصيدة لتوفيق صايغ فأثارت لديه لوعةً خاصة للإهمال الذي لقيه هذا الشاعر من نقاد وكتاب عرب، لمجرد اهتمامه البليغ برموز ديانته. في بيروت، أفاق على وقع الترجمة، ورفقة التجارب الخاصة المحتدمة بكل جديد، فصارت المدينة ملاذ الذكرى اللانهائية لديه.
وحين يتاح لسركون بولص تحقيق حلمه بالمضيّ على طريق الـ Beat generation، أي الهجرة الى أميركا عام 1969، بمساعدة يوسف الخال وأصدقائه، سيجد غرفةً رخيصةً في سان فرانسيسكو قبالة المدينة الصينية لتظل روح الشرق تلازمه. فهو لم يتخلص من تأثيرات الموسيقى الصينية والشرقية، ليحب موسيقى الغرب الصاخب، رغم علاقته الحميمة بالجاز والبلوز. لكنّ الشرق الذي يمنحه الإحساس بالطزاجة في التجول، أو التزود بالمؤن من السوق الصينية الصاخبة هناك، هو الشرق الذي يمثّل حنيناً مطلقاً إلى مدن أخرى أحبَّها... ولا تخلو قصيدة من قصائده من تعبير عن تضاده الحاد مع الغربة المرة، ومدنها الضالّة الصاخبة التي لم تمنحه ما منحته تلك المدن الغارقة في ظلام الماضي كما يقول. ويظل «الشرق الذي لا يوقفه شيء عن كونه شرقاً»، هو شرقه الخاص بمدنه: الحبانية وطنجة وبيروت وبغداد وكركوك. كل تلك المدن هناك التي عصف بها الخراب ودمرتها الحروب، هي طفلة الحرب التي يراها كلما استيقظ من النوم «تنتظر ارتطامي بجدار الحقيقة». حتى مكتبة «أضواء المدينة» التي يديرها أشهر شعراء «البيتنيكس» الأميركي لورنس فيرلنغيتي في شارع كولومبوس، والتي غدت «ملاذه» كما قال، ليست مثل مكتبات بغداد أو بيروت أو مقاهيها الزاخرة بالحياة الملأى بالشجن مقابل مدن الفراغ: «إنه الفراغ نفسه الطالع من حضرة الليل/ في أية مدينة متخمة بالأحياء وبالموتى: باريس برلين لندن نيويورك .. آخر الغرب نهاية الخط سكة الختام».
لم تندمل جراح حنينه. حتى حين يلوّح بالانتحار، يقول له صديقه العربي البائع الذي يختفي خلف قضبان محلّه خوفاً من التهديد والسرقة: «حتى لو أردت أن تشنق نفسك، هذه مدينة عرصات. بكرا بيعطوك قطعة أرض ولاّ عمود كهربا تدفع إيجارها لانتحارك».
على رغم نجاحه وعلاقاته بشخصيات ثقافية وفنية وعمله في الترجمة مثل ترجمة قصيدة غوتنبيرغ الشهيرة «عواء»، لم ينشبك سركون بولص بالغرب مكاناً يمنحه الملاذ بلا قلق أو اغتراب. وها هو يستعيد غربة جبران ويراه حالماً في شوارع نيويورك، ويستعيد صورة أبي فراس وهو في سجن الروم يغنّي «أقول وقد ناحت بقربي حمامة».
مقاربة تؤكد انتماء ذاته العميقة إلى حرية المكان الذي أحبه بكل تنوع الأسماء على جغرافيا سيرته الشرقية «هكذا صارت حياتي، أشبه بجغرافيا لا يمكن تفسيرها بالمواقع والأمكنة»، أو «أداعب قيدي كمسبحة من الأصفار». وهكذا أيضاً، جاءت خيبته كبيرة حين رأى الحرب تمحو أشياءه وأماكنه الحميمة. لم تخلُ أي قصيدة من رفضه لكلّ حرب نالت من تلك الأماكن التي أحبها وانتمى إليها، وهو يرى كيف تهدّدها بالخراب وبالعطش الذي سيدفع رجل الموت القادم الى شرب النفط أيضاً. إنّه خراب تلك المدن التي يفتقدها كل يوم، ذلك الماضي المعتم الجميل الذي يخفي لؤلؤة المكان ــــ الضياء: «تخفي ضياءك عني/ وراء ستائر لا تحصى أيها الماضي/ لكني أعرف أين دفنت اللؤلؤة/ وكيف بنيت من حولها المدينة».