بيسان طي


قرّرت «مؤسسة الفكر العربي» أن تسهم في حل مشاكل الإنتاج الثقافي العربي من خلال إصدار التقرير العربي للتنمية الثقافية، وسيكون هذا التقرير سنوياً. أمس كان اللقاء التحضيري لبحث مشروع التقرير، شارك فيه مثقفون وكتاب وشعراء، بينهم علي عقلة عرسان، الرئيس السابق لاتحاد الكتّاب العرب في سوريا.
مثّل اللقاء فرصةً لإعادة التذكير بعدد من المشاكل التي تعوق التنمية الثقافية العربية، فكثرت الشكوى من انحسار القراءة وعدم تمتع المثقفين بالحريات والحقوق «كأن الجهل يخطط للجميع»، وتقاعس المدرسة عن بناء علاقة بين التلميذ والكتاب. وقال الباحث صباح ياسين «علينا أن نقاوم جاذبية التخلف». كذلك كان التركيز على الأمية الإلكترونية، وغياب الشبكات الفعالة لتوزيع الكتب والمنشورات على امتداد الوطن العربي. وأسهب المتكلمون في انتقاد دور الإعلام الذي يروّج للأسوأ، ويختار التحزب لتيارات أو ميليشيات معينة. ودار نقاش حول دور الإنترنت بعدما نجحت المدونات الإلكترونية في طرح عناوين مهمة للنقاش في وسائل الإعلام ومؤسسات المجتمع، فيما لفت آخرون إلى غياب الدقة والصدقيّة عن نسبة كبيرة مما يُنشر على مواقع الإنترنت. وتعالت الشكاوى من غياب مصادر البحث، أو صعوبة الوصول إليها أحياناً، وعدم دقة بعض المراجع.
ومن أجمل ما برز في اللقاء التحضيري تلك الأصوات النسائية الجريئة مثل الباحثة اللبنانية إلهام كلاب البساط والشاعرة نوال الحوّال والكاتبة السعودية بشائر محمد. سمّت نساء الجلسة الأشياء بأسمائها من دون استرضاء لأي سلطة سياسية أو إعلامية. فطرحت البساط وجهة نظرها بشكل منهجي وعلمي، ووضْع الإصبع على الجرح عندما لفتت إلى أن مشكلة التلقين والحفظ المتبعة في العملية التعليمية تؤدي إلى سيادة مفهوم الطاعة في المجتمع، ودعت إلى رصد ملامح تكوين هويتنا الثقافية العربية، وعلاقتنا بالعالم الخارجي. بشائر ذكّرت بإنّ الثقافة في دولنا العربية موجّهة وأنّ الكاتب يستطيع أن ينتقد ما هو خارج حدود بيئته الجغرافية. وقالت الحوّال إن نسبة كبيرة من المنشورات الصحافية والإعلامية منتجات تجارية، ووجهت انتقاداً شديد اللهجة إلى مجموعة من كبار الإعلاميين في العالم العربي الذين لا يمثّلون قدوة لأبناء مهنتهم بل «يعلمونهم وسائل اللف والدوران»، ولفتت الفاسي إلى «الميزانيات» المُخجلة التي تخصصها الدول العربية للبحث العلمي.
سلّطت الجلسة التحضيرية للتقرير الضوء على مشاكل الكتاب والفنانين في العالم العربي، وسمحت لبعض المشاركين بالتركيز على الجانب المضيء من التجربة العربية الحالية مثل ارتفاع نسبة النساء العاملات في المجالات العلمية. لكنّ مشاركين ذهبوا بكلامهم بعيداً عن هدف الجلسة، وبذلك ضلوا الطريق الذي يرشد إلى تشخيص حقيقي للمشاكل التي تحول دون تطوّر الإنتاج الثقافي العربي. فقد دار نقاش أحياناً لتحديد مفهوم الثقافة. وقد تحدث بعضهم عن الحرية شرطاً أساسياً للإبداع، لكن هذا الكلام بدا غير منسجم مع ممارسات عدد من المتحدثين به.
واستحضر بعضهم «الأنظمة الاشتراكية» ليحمّلها مسؤولية تردّي التنمية الثقافية، فقال حسن أبو طالب نائب رئيس جريدة «الأهرام» إن الثقافة كانت موجهة في الخمسينيات والستينيات فقط (!) ورأى أن تكاثر عدد المطبوعات في العالم العربي دليل على تنوع الاتجاهات والآراء. واستخدم الموريتاني منصور بن فتى (من البنك الإسلامي للتنمية) قاموس لغة التجارة لتوصيف التقرير «ماذا نقدم للزبون؟ بماذا نخدم المستهلك؟».
تكرر الكلام نفسه في كل جلسات اللقاء، ولم ينجح المجتمعون في وضع خطة علمية لإطلاق ورشة العمل بالتقرير، واكتفوا بالحديث عن المشاكل أو عن مشاريع رأوها إنجازات، على طريقة الباحث محمد العارف الذي رأى أن إنشاء متاحف عالمية في الإمارات العربية «أهم استثمار عربي في الإنتاج الثقافي».
طرحت المؤسسة عناوين جديرة بالاهتمام، لكن فات المسؤولين الاستعانة بآراء وخبرات أبرز المثقفين والمبدعين العرب القادرين على إطلاق تنمية ثقافية حقيقية... كذلك غرق بعض المشاركين في اللقاء أمس في مناقشة كيفية قياس المؤشرات، وهل يصدر التقرير أحكاماً واستنتاجات، أم يكتفي بعرض الأرقام والوقائع، وتناسى هؤلاء أن ثمة معايير علمية تحكم عمل معدّي التقارير.