محمد خير


منذ دخولها معترك الإنتاج الدرامي، اخترعت مجموعة mbc آلة عملاقة تعمل بلا انقطاع، لترويج «بضاعتها». ها هو التلفزيون يصنّع أخباره ويجري الاستطلاعات ويحتفي بالنتائج الإيجابيّة! فهل المحطة السعودية لا تزال في حاجة إلى حكم الجمهور؟
خلال رمضان، تابع كثيرون الأداء الإعلامي لمجموعة المحطات الفضائية mbc، وأهمها «العربية» و«إم بي سي»، ولكنّ قلةً لاحظت خطة التعاون المُتبادل بين محطات المجموعة: ما ظهر منها على الشاشات، وما اختفى خلف كواليس المال والإنتاج. وهي خطط عمدت أساساً إلى خلق نجاح مشروع بحدّ ذاته، لكن غرابته كمنت في أنه لم ينتظر حكم المشاهدين، بل صنع ذلك الحكم ـــــ الإيجابي طبعاً ـــــ بنفسه!
ما زال المشاهد يتذكّر تلك الضجة التي أحدثها فيلم «فهرنهايت 9/11» لمايكل مور. يومها، كشف المخرج الجدلي النقاب عن العلاقات المتشابكة بين شركات النفط ورعاة الإرهاب، وتورّط الإدارة الأميركية في شنّ الحروب في الاتجاهات الخاطئة. لقد أصيب من شاهد الفيلم ــــــ الأميركيون على رأسهم ــــــ بالصدمة، لكن الشريط لم يغيّر شيئاً من الواقع الانتخابي الأميركي، فأُعيد انتخاب جورج بوش وفريقه لولاية جديدة، ذلك أن فيلماً وثائقياً ــــــ مهما كانت جودته ــــــ لن يصمد في مواجهة آلة ميديا تلفزيونية عملاقة، تعمل ليلاً ونهاراً بلا انقطاع. وهي ليست كفيلة بالتعتيم على الحقائق فحسب، بل خلق حقائق جديدة أيضاً، عبر حلقات متصلة من «الخدمات» الإعلامية التي يكمل بعضها بعضاً.
وكل ذلك في سبيل خلق واقع تلفزيوني، لا يهمّ مقدار اقترابه أو ابتعاده عن الحقيقة. ومن أجل تحقيق الهدف، تعمد الميديا التلفزيونية إلى استخدام أساليب وألاعيب لا تختلف كثيراً عما استخدمته الإدارة الأميركية في أفغانستان وفي العراق، بعد ذلك. من هنا، قد تكون مجموعة «إم بي سي» التلفزيونية تعلّمت الدرس واستوردت الأسلوب لتحقق نقلتها النوعية هذا العام.
جرت العادة أن تنتج جهة معينة مسلسلاً تلفزيونياً، على أن تشتريه لاحقاً إحدى المحطات التلفزيونية، ومن ثم تهتم وسائل الإعلام وبرامج الأخبار بردود الأفعال عليه. كان هذا قبل أن تقرر مجموعة «إم بي سي»، في الآونة الأخيرة، اقتحام مجال الإنتاج الدرامي. لم تكن وحدها، فقد نافستها فضائيات أخرى، أبرزها «دبي» التي شاركت مدينة الإنتاج الإعلامي المصرية الكثير من المسلسلات. فإذا بـ mbc تنتقل إلى إنتاج الدراما بمفردها، وعلى مستوى فائق الكرم في الإنفاق، قبل أن تقرر الاستعانة بذراعها الإخبارية «العربية» لتوجيه الضربة القاضية إلى المنافسين.
لم تشهد شاشة «العربية» اهتماماً بالبرامج الرمضانية كما فعلت في الموسم المنصرم. طوال الشهر الكريم، لم تتوقف التقارير التلفزيونية على القناة، عمّا يفترض أنّه «الدراما العربية». في الواقع، كان الاهتمام ينصبّ أولاً على «دراما إم بي سي»: متابعة يومية لجماهيرية «باب الحارة»، وجدل حول «الملك فاروق»، وضجة يُحدثها «طاش ما طاش». مثلثٌ سوري مصري خليجي لا يخيب، كاميرات تتنقّل بين البيوت والمقاهي حيث لا تظهر على شاشات التلفزيون سوى شعارات المجموعة... ثم برامج حوارية تستضيف ضيوفاً من القاهرة ومن دمشق، لتحتدم المناقشة في ما بينهم، مستخدمين المنتجات الدرامية التي صنعتها «إم بي سي». معضلات سياسية واجتماعية من «الحنين للملكية» إلى «الحنين للحارة الشامية»، في حوارات تلفزيونية غرضها ملء ساعات البث. كأن الملكية يمكن فعلاً أن تعود إلى مصر، أو كأن الشاميين يرغبون فعلاً في إغلاق باب حارتهم عليهم من جديد. لكنه «الشيء لزوم الشيء» كما في الفيلم الشهير لنجيب الريحاني. وإلا فلماذا استضافت «العربية» الأميرة فريال قبل أيام من بداية مسلسل «الملك فاروق»؟ لكن الغريب أن ذلك الحنين إلى الماضي في الدراما المصرية والسورية التي أنتجتها mbc، يقابله رغبة في التحرر من أسر تقاليد الخليج في «طاش ما طاش»...
الأخطر لم يأت بعد... ذلك أن ضلع المثلث الناقص في مجموعة «إم بي سي»، هو بلا شك مواقع الإنترنت («إم بي سي.نت» و«العربية نت»). ويمكن فهم المقصود بخلق الحقائق، من خلال استعراض ما عرضه موقع «العربية» الشهير من أخبار، خلال رمضان. يلتقط الموقع تقريراً نشرته جريدة «القدس العربي» بتاريخ 15 تشرين الأول (أكتوبر) الجاري، عن إمام أردني طلب من الناس الاختيار بين صلاة التراويح ومشاهدة «باب الحارة». ومن يرجع إلى الخبر المنشور على الموقع بتاريخ 15 تشرين الأول (أكتوبر) الجاري، سينتبه إلى أن الموقع لم يذكر اسم المسجد أو عنوانه، بل اكتفى بالإشارة إلى أنه في أحد الأزقة الشعبية.
إلا أن الاهتمام بهذه الأمور المهنية يسقط عندما نكتشف أن «العربية» نقلت تقرير «القدس العربي» على طريقة «قصّ ولزق»، مع أنها لم توحِ بذلك: أولاً، لأنها وضعت على رأس تقريرها المنشور اسم مكتب «العربية» في دبي، وثانياً، لأنها أدرجت عبارة «كما قال تقرير نشرته القدس العربي» في الثلث الأول من المقالة، بطريقة توحي أن النقل انتهى عند ذلك الحد.
إن تلك التفاصيل لا تهمّ في سبيل الدعاية لبرامج المجموعة، حتى لو تلقّف الموقع أخباراً على شاكلة: «حذف اسم وفاء عامر من قائمة فنانات العري بعد دور الملكة نازلي». لا يهمّ، وخصوصاً أن مسلسلات المجموعة اكتسحت الاستفتاءات والاستطلاعات. وعلى رغم أن هذه المسلسلات تستحق الضجة، فلا يمكن تجاهل حقيقة أن معظم هذه الاستطلاعات نظمتها وأدارتها المجموعة المنتجة.
ما هي الصورة النهائية؟ مجموعة تنتج العمل، ثم تعرضه، وتصنع حوله الأخبار والتقارير بل والشائعات، ثم تنظم الاستطلاعات، وتعلن فوز أعمالها بالمراكز الأولى... هل تحتاج «إم بي سي» بعد ذلك إلى حكم جمهور؟