strong> خليل صويلح


يقتحم نزار صابور في معرضه الذي يقام حالياً في صالة «آرت هاوس» الدمشقية، منطقةً لونيةً مغايرةً تعمل على الحدس والاستشراف. وإذا باللون يذهب إلى مكان آخر في السطح، بما يشبه الكتابة والمحو. المعرض بأكمله تمجيدٌ للأبيض لينسجم ربما مع مقاصد العنوان «سعادة ما أمكن». هذه السعادة المفتقدة التي ترزح تحت وطأة جحيم اليومي، ما يجعل فضاء اللون سديمياً وداكناً. وبانقلاب مضاد ومباغت، يقترح هذا المصور فضاءً آخر، ينبثق من الداخل بزهد لوني واضح ومفكرة افتراضية لعالم يخلو من الخراب. هكذا، يغادر صابور مرحلته الزرقاء بمغامرة شجاعة نحو بياض كلي موشّح بعناصر متقشفة تتمحور حول الدائرة ورموزها. دائرة تفتح الأبواب الموصدة على وجد صوفي أقرب ما يكون إلى الشطح في تجلياته القصوى. لكن المسافة إلى النشوة تعبر أكثر من برزخ وحفرة، قبل أن تؤسس خندقها الدفاعي، بإزاحة طبقات التعاسة والفزع نحو طهارة لحظة منهوبة في وضح النهار.
جداريات ضخمة تسعى لاستعادة ما هو مفتقد وهارب، لتتكئ على مرجعية شخصية قوامها الحلم. حلم زخرفة حياة أكثر غبطة وعري. إذ تتخفّف مساحة اللوحة مما يثقلها من ألوان داكنة وجحيم نحو سعادة طليقة. لطخة بيضاء تلغي السطوح الأساسية للوحة بغلالة شفافة، تطيح الفكرة الأولى، لتتكشّف عن مقترح آخر للون. لن تفاجئنا إذاً، تلك الكتلة السوداء الضخمة المجاورة للبياض في لوحة «أثر السعادة». هناك احتفالية بدأت للتو، وها هي كائنات هلامية تتمطى في فضاء اللوحة. وبملاحظة بسيطة، سنتعرف إلى ملامح هذه الكائنات. إنها آثار أيقونات صابور القديمة، بعدما أزاحت الأقنعة الزرقاء لتكتفي هذه المرة بخطوط وعلامات تدلّ على حيواتها القديمة بين اليقظة والنعاس. كائنات تتمطى في البياض، قبل أن تتلاشى. في برهة، خلا «العشاء الأخير» من الوجوه والمكيدة والترقب. الكراسي وحدها تستحضر الظلال ورائحة الخديعة لا تزال تفوح من المائدة وتحوم على الجدران. إذ يؤسس صابور عناصر زخرفية متجاورة تستكمل ما جرى «بعد العشاء الأخير» وتقترح سرداً بصرياً على التخوم. ذلك أنّ لوحة هذا الملوّن البارز تستدعي على الدوام ذاكرة عربية في توشيحاتها الجانبية. وفي أحيانٍ أخرى، ذاكرة متوسطية تنفتح على خصائص تعبيرية محلية لا تخلو من نبرة شخصية. ذلك أن نظرة إجمالية إلى تجربة صابور تحيل إلى عناصر أساسية تخضع بين معرض وآخر إلى اختبارات جديدة وصارمة على صعيد الموضوع أو لجهة التقنية. فقد تمكّن هذا التشكيلي الدؤوب من تأكيد بصمة خاصة في المحترف السوري، وخصوصاً في شغله على الأيقونة من موقع مغاير. وها هو يدير ظهره لمنجزه السابق في مغامرة لونية تطيح الداكن أو أنها تزيحه جانباً، لتتلمّس وتختبر في آن، تلك المناطق السرّية التي يشكلها الحلم، بعيداً من الوعي والمعنى الجاهز. هنا يعمل المجاز على هواه من دون تخطيطات مسبقة، لتأتي ضربة ريشة مباغتة تطيح الكتل لمصلحة الفراغ والفضاءات الطليقة، وخصوصاً في لوحاته عن «الحرية». كأن صابور ضجر من القيود، فأراد أن يختبر الحرية بأقصى حالات غيابها، فلم يجد غير الأبيض ملاذاً لهواجسه وصبواته الروحية.
هذا الخلاء اللوني ـــــ على رغم غرابة عناصره ـــــ يستلهم بشكل غامض التراث التصويري المحلي ويمنحه دفئاً خفياً بإشعال لون آخر في غير مكانه المعتاد، ببهجة شرقية صميمية. لكنها لفرط عزلتها، تبدو هنا، كما لو أنها مستعارة من ضفة تشكيلية أخرى.