القدس المحتلة ـــ نجوان درويش


  • عـــن أي زمـــن أســـود تحـــدّث برتولـــد بريخـــت!

  • حتى الشعر في القدس، بات من أدوات الصراع على «امتلاك المكان» الفلسطيني، تستعمله «بلديّة الاحتلال» لتمعن في حصارها لأهل المدينة الأصليين. أما جبرا إبراهيم جبرا وتوفيق صائغ، فقد ضاعت خطواتهما القلقة في الشوارع العتيقة

    اللافتات الشعرية التي علّقتها «بلدية القدس» الإسرائيلية في شوارع أساسية كشارع صلاح الدين والسلطان سليمان، زجّت بجماليات الشعر وسماواته في مستنقع الاحتلال الآسن. قصائد لأفضل الشعراء الإسرائيليين مترجمة جيداً إلى العربية تستنفد ما بقي من القدرة على الاحتمال. قصيدة لكل شاعر مكتوبة بالعربية على لافتة، وفي القدس الغربية القصائد كلّها بالعبرية، وقد توزعت على محطات الباص والمقاهي وأعمدة الكهرباء. معظم اللافتات جيدة كقصائد شعرية. لكن السياق الذي وضعت فيه دفعها إلى خانة الكوابيس التي يخترعها لنا الاحتلال في كل يوم. الـ«مشروع الفني» الذي نفذته «بلدية الاحتلال» مع «مؤسسة صندوق القدس» (إحدى أكبر مؤسسات التمويل الإسرائيلية في القدس) «يهدف إلى تعريف المقدسيّين بالشعر العبري» بحسب الموقع الإلكتروني لـ«جيروزالم فاند».
    توسّع المشروع قليلاً، إذ أضاف بعض الشعراء العرب. مزج قصائدهم مع قصائد «نظرائهم» الإسرائيليين، لتعلَّق في الشوارع العربية فقط! هذه الشوارع التي كانت تستثنيها غالباً المشاريع الفنية الإسرائيلية! يعلّق المسرحي إسماعيل الدباغ بمرارة قائلاً: «يبدو أنّ البلدية الإسرائيلية عضو في لجنة احتفالية القدس عاصمة للثقافة العربية لعام 2009»... في إشارة إلى المرارة السائدة تجاه اللجنة التحضيرية التي عينها أبو مازن أخيراً، ووضع على رأسها الشاعر محمود درويش، وعدَّها المثقفون الفلسطينيون لجنة لا ترتقي إلى مستوى القدس، بعدما استثنت من عضويتها فلسطيني الشتات وفلسطينيي الـ48 والمعنيين بالشأن الثقافي الفلسطيني!
    في شوارع القدس المحتلة، الأمر لا يقف عند الشعر. ليست مجرد قصائد عبرية مترجمة إلى العربية مع بعض القصائد لشعراء فلسطينيين، يحلو لبعض الجهات الإسرائيلية اعتبارها من «الشعر العربي الذي يكتب في إسرائيل»! مشروع كهذا حافل بالدلالات والإسقاطات، إذ ينطوي من جهة على خلفيات تتعلق بالهيمنة الثقافية الإسرائيلية على المدينة العربية المحتلة، ويحيل من جهة أخرى إلى مفهوم «القدس الكبرى الموحّدة»! هناك توظيف من المؤسسة الإسرائيلية للشعر العبري، وتعامل مخاتل مع الشعر الفلسطيني ــــ بالأحرى مع بعض الشعراء الفلسطينيين ـــ ومحاولة «ضمّهم»، كما تضمّ الأراضي، إلى كتاب الشعر الإسرائيلي!
    إنّها مفارقة فعلاً أن تعلّق بلدية الاحتلال قصيدةً لسميح القاسم وأخرى لطه محمد علي وثالثة لميشيل حداد... بين قصائد لشعراء إسرائيليين توزعوا منطقة صلاح الدين وباب العمود، وسط عدم اكتراث المارة في شوارع القدس الشرقية التي حوّلتها سياسة الاحتلال إلى أحياء هامشية، وهي كانت قبل أسلو، مركزاً لجنوب فلسطين كلّه. الاحتلال يعلّق قصائد شعراء المقاومة في القدس، يبدو الموقف سريالياً: مفارقة مؤلمة أخرى تضاف إلى عبثيّة الوضع الفلسطيني برمّته.
    وقد كشف أحد موظفي «صندوق القدس» أن المشرفين على هذا النشاط «الحضاري»، كانوا يودون تعليق قصيدة لمحمود درويش، لكنهم تراجعوا لأنه يعيش في رام الله ولا يودون زجه في إحراج! والطريف أنّ هذا الكلام نقله تقرير صحافي نشرته بعض المواقع العربية، منسوباً إلى «مؤسسة القدس غير الربحية». وقد يتبادر إلى ذهن القارئ العادي أنها إحدى المؤسسات الفلسطينية، في حين أنّ «صندوق القدس» مؤسسة إسرائيلية معروفة. هكذا يصل الخطاب الإسرائيلي إلى القارئ العربي مموّهاً، فلا ينتبه هذا الأخير إلى هويّة الخطاب وخلفياته! أما أطرف ما جاء في حديث موظف «صندوق القدس»، أن المشروع يهدف إلى «صدم» المقدسيّين الذين تلهيهم هموم العيش عن الاستمتاع بالفن. ومن هذه الناحية، فإن المشروع حقّق فعلاً «صدمة»!
    أما علاقة الشعر الإسرائيلي بالقدس، فنجد جذورها في الوعي اليهودي، ولاحقاً في الوعي الصهيوني. إذ استُعمل بعض هذا الشعر أداة استعمارية بامتياز. ولطالما قُرن الشعر عالمياً بالذات القومية، وكان الشعراء صائغي هويات أممهم، ومحدّدي ملامحها، وكان شعرهم في أحيان كثيرة حاملاً لأمراضها أيضاً. من هنا تأتي خطورة مقاربة الشعر سياسياً.
    وفي إسرائيل كل شيء قابل للتلاعب وإعادة التوظيف المشبوه. أبو أيوب سليمان بن جبيرول ــــ الفيلسوف اليهودي ابن الحضارة العربية الأندلسية وشاعر المراثي ومطور النحو العبري ــــ يقف على رأس قائمة الشعراء العبريين ويتحول إلى ساكن جديد يحتل شارعاً في قرية عين كارم العربية! وتتحول أسطورة مقتله على يد شاعر عربي غار منه، إذكاءً لشوفينية إسرائيلية «يغار» منها محيطها العربي! وتتحول غزليات وتفجعات أندلسي آخر هو يهودا اللاوي على القدس إلى مقدمات شعرية لمشروع استعماري. وتتحول علاقة شعراء إسرائيليين بالقدس، إلى أدوات جديدة بيد «بلدية القدس» لمحاصرة أهل القدس الفلسطينيين، و«التخفيف منهم» قدر الإمكان. أما الشعراء الذين ارتبطوا بالقدس من غير اليهود، فلا نكاد نعثر على أسمائهم... فجبرا إبراهيم جبرا أو توفيق صائغ اللذان أرهقا بخطواتهما القلقة شوارع القدس ذات زمن، فقد اختفت آثارهما اليوم. جبرا الذي كتب في مطلع أعماله الشعرية: «فلتكن هذه فروع زيتونة أخرى في جبل الزيتون، زرع بذرتها في زمن مضى/ فتى كان كثير الرؤى ولم يملك من أيامه سوى الحب والكلمات». وتوفيق صائغ (لم يخرجوه بعد من المصعد الذي اختنق فيه) له في «شارع أكسفورد» أكثر مما له في شارع صلاح الدين. كما لو أنّ مشروع الحداثة العربية المبكر الذي مثّله الشاعران ليس سوى خيمة خلعتها الريح مع احتلال فلسطين عام 1948.
    وفي الوقت الذي يعمل المشروع الصهيوني بجد مضاعف على تثبيت ذاكرة ومحو ذاكرة أخرى، نجد أنّ لذاكرتنا الوطنية ثقوبها الذاتية أيضاً. وهناك اليوم صراع معرفي على «امتلاك القدس» يبدو الاحتلال متفوقاً فيه! وهناك أيضاً صراع شعري على «امتلاك المكان» الفلسطيني كلّه، تنبه له محمود درويش حين رأى أنّ الخطورة هي أن يكتب الشعراء الإسرائيليون المكان ومفرداته وعناصره أفضل من كتابتنا نحن له! ولا عجب بأنّ القصائد التي علّقها الاحتلال في كل أرجاء القدس تتحدث عن كل شيء إلا الاحتلال! ما يذكّرنا بكلمات الشاعر والمسرحي الألماني عن الأزمنة التي يصير فيها الحديث عن الأشجار جريمةً، لأنه يعني السكوت عن جرائم أفدح تحدث. هنا صوت «أورشليم القدس» ينعق مذيع اسمه زكي المختار بعربية فصحى... عن أي زمن أسود كان يتحدث برتولد بريخت!