جورج موسى


«ضحك وجدّ ولعب وحبّ»... أغنية العندليب الأسمر تنطبق على الرهانات «الجديدة» لـNEW TV. المحطّة التي تميّزت بقربها من المواطن، تستريح جزئياً من «معركة الداخل» لتغازل الجمهور العربي فضائياً... انتظروها في رمضان!

مَن يتابع NEW TV هذه الأيّام، يلاحظ تغيير اسم القناة إلى «الجديد» باللغة العربية وبالحرف اللاتيني أيضاً، إضافة إلى تعديل شكل الشعار. المحطة التي «كانت غارقة في شؤون الداخل اللبناني وشجونه، قررت اليوم أن تأخذّ حقها من الانتشار العربي والعالمي». لذا ارتأت أن تزيد هامش الترفيه والفن على قناتها الفضائية، بنكهة عربية وخليجية، بينما «تزيد من لبننة قناتها الأرضية، معززةً فيها حضور البرامج السياسية والدرامية والكوميدية».
هكذا ستنطلق المحطتان بحلّة جديدة مع بداية شهر رمضان. وأول الغيث برنامج ألعاب ومقابلات ضخم يقدّمه طوني خليفة، إضافة إلى برنامجين كوميديين يومياً مع فادي رعيدي وفريق «إربت تنحل»، وعدد من المسلسلات المصرية والسورية والخليجية.
في مقر المحطّة البيروتي، تشهد المكاتب ورشة عمل حقيقيّة. يستقبلك ديمتري خضر، المدير العام للقناة بحماسة، ليحدّثك عن خطة التغيير التي قررتها الإدارة. بعد سنة من تولّيه مهماته، يؤكد المخرج السينمائي وأحد مؤسسي جمعيّة Beirut DC و«أيام بيروت السينمائية»، أنّ قراره خوض غمار التلفزيون كان صائباً. يقول: «كانت الفترة الأولى صعبة بالنسبة إليّ... لكنّني بدأت اليوم أتذوق متعتها، بعدما بتّ أملك مفاتيح اللعبة التلفزيونية». ويشير خضر إلى أنّ عودته إلى السينما باتت قريبة، «على أنّ العودة ستكون أكثر نضارة وواقعية، فتجربة التلفزيون لا بد من أن تغنيني سينمائياً. والمعادلة التي تواجهها هنا وهناك، هي الصراع الدائم على تحقيق التوازن المطلوب بين ما يريده الجمهور، وما يجب عليك تقديمه، من فن حقيقي وفاعل».
وعن التغييرات التي تنتجها محطة «الجديد»، يشرح خضر بإسهاب أنّ «سقف الحرية الذي وضعته القناة لنفسها، وهو كان أحد أسباب فرادتها، جعلنا نبحث في الوقت عينه عن مصادر دخل جديدة، تؤمن للمحطة استمراريتها، وتستقطب جمهوراً أوسع، مع المحافظة على خطنا السياسي المعروف». هذه الحرية أودت إلى السجن ببعض الصحافيين ومسؤولي التحرير في المحطة، وكانت وراء الانتقادات الموجّهة أحياناً إلى المحطّة بأنّها تبحث عن الخبطة الصحافيّة مهما كان الثمن. الحماسة الزائدة قد تدفع إلى ارتكاب أخطاء مهنية، إذا لم توضع لها ضوابط وقواعد؟ يوافق خضر، ويضيف إن «ضغط العمل اليومي والبحث عن التجديد قد يجعلان الصحافي أحياناً يفقد بوصلته. ونحن جميعاً معرّضون للوقوع في الخطأ والتعلّم منه».
كيف حضّرت البرمجة إذاً؟ وإلى أي جمهور تتوجّه «الجديد» اليوم؟ يوضح خضر أولاً أنّ المحطة تقوم على أقانيم ثلاثة: «عربية وعلمانية وتحارب الفساد». وعلى هذا الأساس، تبنّت «خطاب المقاومة في لبنان وفلسطين، وتقف في صفّ المواجهة والممانعة، ضدّ إسرائيل واحتلال العراق». لكن لا يخفى على أحد أن «نيو تي في» حقّقت الرواج بسبب برامجها السياسية والاجتماعية التي تخاطب هموم المواطن، فيما تخطو اليوم خطوةً كبيرةً تجاه عالم الترفيه والتسلية، فكيف يتم التوفيق بين هذين النقيضين؟ يجيب المدير العام: «هدف البرمجة الحقيقي هو استقطاب كل فئات الجمهور إلى موقعنا السياسي. ولا يخفى عليك أننا جزء من السوق، ما يعني أن على المؤسسة تحقيق الأرباح، من دون تنازل عن المبادئ... بوسعنا تمرير ما نؤمن به حتى في أكثر البرامج خفّة».
هذا الرأي يوافق عليه عماد جمعة، المدير الإقليمي لمديرية التسويق والإعلانات: «منذ انطلاقة «نيو تي في» حتى 2004، لم تكن المحطة تحسن مخاطبة الجمهور. افتقدنا حسن التسويق وصناعة البرامج التي تجذب المشاهدين والمعلنين. أما في عام 2005، فبدأنا ثورة حقيقيّة في صناعة البرامج، ما أدى إلى زيادة النمو في حجم المشاهدة والإعلانات إلى ألف في المئة عام 2005، ثم إلى 400 في المئة عام 2006، و150 في المئة حتى شهر آب (أغسطس) من هذا العام. ومن المتوقع أن تزيد النسبة إلى 250 في المئة مع انطلاقة دورة البرامج الجديدة».
ويشرح جمعة: «كان التلفزيون يصرف حوالى 12 مليون دولار أميركي سنوياً، فيما يقتصر مدخول الإعلانات على 400 ألف دولار. دعم القناة كان يقوم على تحسين خياط وحده، وذات يوم اكتشفنا أنه لا بد من البحث عن مصادر أخرى. يستحيل أن تستمرّ أي محطة عربية، بالمال السياسي وحده. الإعلانات هي ضمانة استقلالية المحطة واستمراريتها». ويذهب جمعة أبعد من ذلك: «الغرق في وحول الداخل يبعد الجمهور عن الشاشة. هذا المأزق تجنبته «ال بي سي» الفضائية، فيما وقعت في فخّه «نيو تي في» و«المستقبل». وقد احتلت السياسة على الشاشتين المرتبة الأولى، ما أثر في انتشارهما لأن المشاهد ملّ السياسة. «المستقبل» مثلاً تراجعت إلى المرتبة الثلاثين على قائمة المحطات الأكثر مشاهدة في العالم العربي... أتعلم أن سوق الخليج تشهد نمواً في حجم الإعلانات يقدّر بين 5 و10 في المئة سنوياً، فيما تنخفض النسبة في سوق لبنان بين 5 و10 في المئة أيضاً؟ وبعدما كانت سوق الإعلانات تُقدّر على شاشتنا اللبنانية بـ60 مليون دولار أميركي، لم تتجاوز العام الماضي سقف الـ25 مليون دولار». كل ذلك دفع القيمين على «الجديد» إلى إنشاء محطة فضائية ثانية، ستُعنى بالترفيه فقط، وتنطلق خلال ستة أشهر تقريباً، على أن يسهم مدخولها في تمويل المحطتين الفضائية والأرضية».
هل هذا سبب تعزيز البعد العربي والخليجي، على الشاشة الفضائية؟ يجيب ديمتري خضر: «ميزة قناتنا أنّها لبنانية تتوجه إلى العالم العربي والخليج، وليست كباقي الفضائيات اللبنانية التي باتت محطات خليجية يعمل فيها لبنانيون. سنقدم برامج التسلية والترفيه، لكن مع خلفية تحترم خصوصية مجتمعنا اللبناني». وبحركة يد يكنّس ما يتردد في الكواليس، من أنّ المحطة أعدّت برنامجاً ضخماً لطوني خليفة، تعويضاً عن غياب نيشان: «الأمور لا تقاس هكذا. ثم من قال إن جمهور طوني خليفة هو أقلّ من جمهور نيشان؟». ويضيف بصوت عال: «المحطة تصنع نجوماً، وتستقطب نجوماً، ما يعني أنّها وسيلة إعلام توحي بالثقة». ويضيف خضر: «لبنان ليس مصدّراً للبرامج والصرعات التلفزيونية التي يأخذها عن الغرب فحسب، بل الأسرع في استهلاكها أيضاً. ونحن في «الجديد» نسعى إلى تقديم برامج تحاكي الصرعات العالمية، لكنّها تنطلق من خلفياتنا السياسية والاجتماعية والثقافية. ويهمنا أن نبقى دائماً محطة مثيرة للجدل».
وماذا عن سياسة الدمج بين المحطات الكبرى، بعد الذي حصل أخيراً بين «روتانا» و«ال بي سي الفضائية»؟ «اليوم في عالم الميديا، الاندماج بين المحطات العربية بات مسألة حتمية. ومع الوقت، ستتحول جميع المحطات إلى قناة أساسية، تتفرع منها قنوات مناطقية. «أم بي سي» و«ال بي سي» قدمتا محطات خاصة إلى الخليج، وشمال أفريقيا. ما سيجبر باقي القنوات على تخصيص قنوات خاصة ببلاد الشام ومصر والخليج وشمال أفريقيا. أما في «الجديد»، فنحن نستوعب كل هذه التغييرات التي يشهدها عالم الميديا، كما نعرف حجم حضورنا في العالم العربي. لذا، ترانا نعمل على التعاون مع محطات عربية أخرى» (راجع البرواز).





تحوّل استراتيجي

سياسة التغيير في «الجديد» لم تتوقف عند البرمجة فحسب بل تعدّتها إلى نسج تحالفات استراتيجية إعلانية مع جهات عربية عدة، بينها شركتا «الكون» الأردنية و«طيف» السورية، ورجل الأعمال السعودي عبد الرحمن عبد العزيز الطيّار، إضافة إلى انضمام مكتب «نيو تي في ميديا سيرفيسز» إلى شركة «إن إم إس»، وإقامة مكتب أساسي لها في الرياض. أما هدف هذه التحالفات، فهو العمل على «أكبر حملة تسويقية لبرامج رمضان عبر إعلانات تغزو الشوارع والصحف والإذاعات والمجلات». في المقابل، ستتعاون القناة مع فضائيات عربية لتبادل البرامج وشرائها. وبدأ ذلك مع برنامج «شاعر الشعراء» لمسابقة الشعر النبطي الذي تنقله 11 محطة عربية عن فضائية «نيو تي في»، إضافة إلى إنتاج مشترك مع التلفزيون الأردني لبرنامج «الفرصة» مع طوني خليفة، وسيعرض بالتزامن على القناتين، وعلى التلفزيون اليمني ومحطة «ميلودي». وتجري «الجديد» مفاوضات للتعاون مع التلفزيون السوري، التلفزيون الكويتي، التلفزيون القطري، والقناة «الأولى» السعودية.
من جهة ثانية، يشير عماد جمعة إلى دخول المشهد التلفزيوني اللبناني عهداً جديداً، انتهت فيه حصرية العقود الإعلانية، بفعل التنسيق بين محطات تلفزيونية مثل «المستقبل» و«المنار» وnbn، و«أورانج تي في» و«الجديد»، ودعم شركات الإعلانات الكبرى لها. ويوضح: «في السابق، كانت REGIE أنطوان الشويري، تسيطر على وسائل الإعلام في لبنان، فكانت الإعلانات توزع حصراً على LBC، «النهار»، «السفير»، «لوريان لوجور»، إضافة إلى بعض الإذاعات». أما اليوم فقد قررت المحطات اللبنانية مواجهة «حوت الإعلانات»، عبر التنسيق مع شركات الإعلانات، لتوزيعها على باقي المحطات اللبنانية. إنّ مسألة الاحتكار باتت مستحيلة، ولكل قناة جمهورها.
ويشير جمعة إلى أن المشهد عملياً بدأ يتغير، فيما تنتظر القنوات المتحالفة مصير الدعوى القضائية المرفوعة ضدّ الشويري وشركة الإحصاءات «ستات إيبسوس». وتجدر الإشارة إلى أنّ المادة 39 من قانون البث التلفزيوني والإذاعي (قانون رقم 382 ـــــ الصادر في 4/11/1994) تحظر الاحتكار الإعلاني وتمنع «إدارة الإعلانات في مؤسسة الإعلام المرئي والمسموع أو الشركة الإعلانية المتعاقدة معها أن تلزّم إعلاناتها حصرياً لوسيط إعلاني واحد».
لكن هل ستؤثر التحالفات مع شركات إعلانية عربية في أداء القناة الإعلامي وخطّها السياسي؟ يقول جمعة إن «المعلن اليوم لم يعد يرغب في الاستثمار في البرامج السياسية، بل يبحث عن البرنامج المثير للجدل».