تعتبر رنا التونسي (مواليد القاهرة ــ 1981) من الشاعرات القليلات المخلصات لفعل الكتابة من أجل الكتابة وإدامة تواصلها معه. واظبت على نشر دواوينها تباعاً من دون الاكتراث برد فعل النقاد أو الميديا لما تنشر. صدر لها أول ديوان عام 1999 عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة» بعنوان «ذلك البيت الذي تنبعثُ منهُ الموسيقى».


ومنذ ذلك الوقت واصلت إصدار دواوينها تباعاً، منها «تاريخ قصير» (دار النهضة العربية ـ 2006)، «السعادة» (دار الجمل ــ 2014) ثم نشرت «المختارات» الشعرية لها مطلع عام 2015 عن «الجمل». من يتابع مسيرتها منذ البدايات، يستشف أنّ الكتابة شعراً بالنسبة إليها هي بمثابة «جورنال» حياتها وتطوراتها. ولأنها ترى التفاصيل بشكل يخصها هي وحدها، جاءت دواوينها وقصائدها متطورة طبقاً لمتغيرات حياتها. قليلة هي تجارب نشر مختارات لشعراء شباب، خاصة بين الشاعرات، لهذا جاء نشر مختارات للتونسي بعنوان «عندما لا أكون في الهواء»، أمراً لافتاً لما توحيه كلمة مختارات للمتلقي من وصول الشاعر إلى مرحلة صار فيها قادراً على اختيار ما يميز مراحل تجربته. وعن تجربة إصدار «المختارات» وما هو الشيء أو من أوحى لها بالفكرة، قالت التونسي إنّ المختارات لم تكن فكرتها، بل كانت اقتراحاً من الناشر والشاعر خالد المعالي، صاحب «دار الجمل»، وهي رحبت بالفكرة من منطلق أنها ستكون فرصة جيدة لتكون مقروءة أكثر في بلدها مصر. وهذا يعني لها الكثير، خصوصاً أنّها تقيم خارج البلد منذ سبع سنوات تقريباً.
رغم أنها ترى أنه لا يمكن شاعراً أن يحكم على عمله ويقول إنّه وصل إلى مرحلة ما ليكون قادراً على اختيار ما يلخص تجربته الشعرية، لكن المختارات جاءت بالتالي حصيلة ستة دواوين سبقتها ومواصلة الكتابة حتى الآن عبر 13 عاماً. تعتبر التونسي هذه التجربة محطة وقوف بعد مسيرتها وبداية لكتاب جديد تعمل عليه حالياً ولا تعرف كيف سينتهي.
اعتمدت الشاعرة في اختيار نصوصها على حالة الترابط بينها شعرياً ونفسياً ولم تلجأ إلى تفضيل فكرة الأسبقية لتلك النصوص بحسب تواريخ صدورها. تجدها واقفة كنص واحد طويل من دون عناوين لها ولا يستطيع القارئ التمييز بين أزمان كتابتها، لكنه يملك حرية الربط بينها من الحالة الشعرية المتناغمة بين النصوص المختارة.


ديوانها الجديد سيحمل عنوان «كتاب الألعاب والرسائل»


وأوضحت التونسي أنّ المعيار الوحيد الذي اعتمدتهُ في اختيارها للنصوص هو الإحساس ومحاولة خلق حالة شعرية واحدة عبر كتاب واحد. وبما أنها هي صاحبة التجربة، فلم تكن بحاجة لمساعدة أحد لاختيار النصوص. تركت لحدسها وحسها الشعري في تقارب حالات النصوص، ليخرج الكتاب وكأنهُ وحدة واحدة ومعدّ مسبقاً ليكون كتاب من ثيمات متجانسة ومترابطة.
حظيت تجربة التونسي بقراءات نقدية عديدة، لكنها ليست تلك القراءات التي توازي دأبها الكتابي. وعن هذه الملحوظة، أبدت التونسي ارتياحها عما كُتبَ عن تجربتها حتى الآن، مؤكدة أنّ ما يعنيها في المقام الأول هو فعل الكتابة لا النقد. هي ترى الكتابة بمثابة الأمل. وأشارت إلى أنّ الشاعر الذي يكتب في انتظار مباركة النقاد يتحول إلى شاعر سلطة سواء سلطة سياسية أو أدبية أو اجتماعية. ورأت أنّ بعض القراءات النقدية بمثابة حماية للشاعر، وهي تود الحفاظ على تجربتها بعيدة عن الحماية أو المباركة مطلقة لنصوصها عنان الاصطدام بالحجارة وأصوات الخوف والقلق والهشاشة في داخلها الذي يشعرها بأن تجربتها ما زالت حية. وعن الشعر كفنٍّ أدبي، تجد التونسي أن هناك اختلافاً دائماً يدور حول ماهيته.
هي تقدّر التجارب التي تبحث في الشعر عن إجابة للحياة وانعكاس لواقع، لكنها لا تستطيع أن تكتب لإرضاء ذائقة ما أو اتباع خريطة موضوعة مسبقاً لفن كتابة الشعر. تعتبر شعرها تجربة شخصية جداً لا شعر مناسبات أو أحداث، مما قد يراه بعضهم انفصالاً عن الواقع وهذا غير صحيح بحسب التونسي. إذ تعتبر اختلاف التجارب إنما هو اختلاف الأحاسيس بالواقع وليس الانفصال عنه، خاصة أنّ رؤية الشاعر إلى العالم تتغير مع الوقت، وهذا ينعكس بالتالي على النص في النهاية. منذ بدايتها حتى اللحظة التي تكتب فيها تجربتها، تؤكد أنّ هناك تطوراً ملحوظاً في نصوصها على مستوى اللغة وتقنية الكتابة، وهذا ما شعرت بهِ عند مراجعتها لأعمالها أثناء اختيار النصوص، وما تسعى إليه دائماً هو تطوير آليات الكتابة نفسها. ترى أنّ الأخطاء، حتى لو حدثت ولا يمكن العودة لتصحيحها، هي جزء من هوية الشاعر الذي لا يسعى للكمال بل الاستمرار في التمرين والتجريب.
رنا التونسي من الأصوات الواضحة في المشهد المصري، لكن يصعب عليها تحديد صوتها بين هذه الأصوات، فقد تركت هذه المهمة للقارئ والناقد. ما يهمها من عالم الشعر هو سعادتها في قراءة نص جميل لشعراء آخرين، مما يحسّسها بجدوى الحياة وذلك الرابط الخفي بينها وبين أولئك الذين يكتبون الأشعار الجميلة.
نضج تجربة التونسي جاء تبعاً لنضج حياتها العائلية أيضاً. هي تعتبر العائلة جزءاً من العالم الخاص للشاعر. بالرغم من وضوح حضور العائلة والأصدقاء في نصوصها ونشأتها في جو ليبرالي وفّر لها سبل التواصل والاستمرار، إلا أنها تجد بعض الصعوبة في كتابتهم لأنها تشعر بالسطو على حياتهم، فهي تكتب عنهم ولا تكتبهم بحسب تعبيرها.
عن تأثرها بالشعر الغربي بحكم دراستها والعلاقة بين المشهد الشعري الغربي والعربي، أشارت إلى أنّ هذه العلاقة أصبحت أوضح الآن من ذي قبل بحكم كثرة الترجمات. ومن هنا يستطيع القارئ أن يلمس بعض المشتركات بين المشهدين أحياناً، بخاصة على مستوى قصيدة النثر والنص المفتوح، مضيفة أنّ تأثرها بالرواية أكثر من الشعر. ومثلما تأثرت ببروست وكونديرا في الأدب الغربي، تأثرت أيضاً بعبد الرحمن منيف وإبراهيم الكوني وحنان الشيخ وهدى بركات ورشيد الضعيف في الأدب العربي. أما الشعر، فقد تأثرت بشعراء رواد أمثال الماغوط ومحمود درويش وسعدي يوسف، ومن الشعراء الشباب والجيل الذي سبقها أمثال إيمان مرسال، ومحمد خير، ومحمد أبو زيد، وزهرة يسري، وهرمس من مصر وسمر دياب، ورشا عمران، وهالا محمد، ومنذر مصري، ومحمد رشو، ومروان علي وآخرين. في المقابل، تأثرت بشعراء أجانب مثل شمبورسكا، والمصرية التي كتبت بالفرنسية جويس منصور، وسيلفيا بلاث.
وتختم التونسي حديثها عن «المختارات» بالإشارة إلى خططها المستقبلية على مستوى الكتابة وهي القراءة بدأب وكتابة ما تحب. إذ انتهت أخيراً من وضع اللمسات الأخيرة على ديوانها الجديد الذي سيحمل عنوان «كتاب الألعاب والرسائل». وقد اعتبرتهُ من أكثر دواوينها قرباً لها، وتشعر بالرضى عنه إلى درجة أنها إذا توقفت بعد ذلك عن الكتابة، فقد لا يشعرها ذلك بالفزع.