باريس | خلال جولة فنية كان «تريو جبران» يقوم بها في الجنوب الفرنسي، التقت «الأخبار» بسمير جبران، فكان هذا الحوار:


■ أنتم الآن في جولة في الجنوب الفرنسي. هل العزف لجمهور غربي مختلف؟
حين يعزف المرء داخل وطنه، فذلك هو المختبر لنؤكد أننا من تلك الأرض. أما حين نعزف في الغرب، فلا نُغرِّب، بل نحافظ على الهوية العربية في موسيقانا لأن الغرب يفضل هو الآخر التعرف إلى حضارات أخرى. بدأت تجربتنا في فرنسا منذ 12 سنة. قد يكون أسهل على الجمهور الغربي أن يستقبل الموسيقى أكثر من الغناء. بدايتنا كانت بطريقة متواضعة ولكن قدّمنا ستّة ألبومات من حينها، والآن نحقق من أكثر المبيعات كما هي الحال مع ألبوم «مجاز». جمهورنا في كل بلد هو جمهور محلي ويتفاعل مع موسيقانا على طريقته.

■ الوصول إلى سمعة دولية مر بالكثير من المتاعب، حدثنا عن ذلك؟
كثيرون يعتقدون أننا وصلنا إلى العالمية لأننا انطلقنا من فرنسا كأنها المكان الأسهل. هذا خطأ، فالمنافسة هنا تفرض عملاً أكبر ليفرض نفسه في الساحة الفرنسية. لكن فرنسا في المقابل تعطي إمكانات للمبدع من خلال إدارة أعمال وتحافظ على خصوصيته الفنية والثقافية.

■ لكن ماذا عن بداياتكم في الناصرة التي تحمل رمزية كبيرة؟
الناصرة وفلسطين مكان مؤثر وخصب للكثير من الفنانين. المشهد الفلسطيني من الداخل وصل إلى العالمية مع إيليا سليمان والممثلة هيام عباس، ومحمود درويش مثلاً. العمل الفلسطيني لا يزال فردياً. ما ينقصنا في فلسطين هو وجود الصناعة الموسيقية. الفنانون موجودون، لكن ينقصنا الإنتاج.

■ كان الغناء إذا طريقة للمقاومة؟ مقاومة الضغط اليومي والاحتلال...
نحن من عائلة موسيقية ووالدي صانع آلات عود. وجدنا أنفسنا تحت احتلال الموسيقى، وهذا أجمل احتلال. لكن بما أننا فلسطينيون، صارت الموسيقى أو الثقافة جزءاً كبيراً من مقاومة الاحتلال. كان مهماً أن تثبت موسيقاك ولغتك وثقافتك، وتؤكد أنك جزء من هذه الأرض، ومن ذلك التراب، ومن تلك الشجرة. الموسيقى جزء من مقاومتنا. لكن نحلم أيضاً بأن نكون فنانين أحراراً. نحن ندرك مدى ضغط الهوية على الثقافة. يجب أن يكون الفنان مدركاً هذا الضغط، فينتج ثقافة تغذي روحه، وإبداعه أيضاً.

■ آلة العود ميراث عائلي لكم، ماذا تفعلون لتطوير هذا العزف؟
الميراث كلمة جميلة لكنها قد تحيل أيضاً على الفولكلور. والفولكلور لا يجب المساس به، لكن لا يجب أن نعيد فقط ما أنتج سابقاً وإلا قد نتحنط في أشكال سابقة. أن تؤلف اليوم قطعة موسيقية جيدة، يعني أن تكون يوماً ما فولكلوراً. نحن نبحث الآن عن تأليف ما هو جديد، ففرقتنا تؤلف عزفاً جديداً بطريقة جديدة.

■ الثلاثي جبران إخوة. أخُوّة الدم، هل لها امتداد إلى آلة العود؟
أنا أكبر الإخوة. وسام شقيقي وهو الأوسط ورث مهنة رائعة، فهو الجيل الرابع من صناع العود في عائلتي. وهو تعلم صناعة العود عن والدي، ولكنه أكمل هذه الدراسة في معهد يعد من أهم معاهد صناعة الآلات في إيطاليا. بهذا، يكتمل الجنون في العائلة. فنحن ثلاثة إخوة، وأعوادنا أيضاً ثلاثة إخوة يصنعها وسام، وهكذا نحن ستة أشقاء على المسرح نلهو ونلعب، نقرأ ونلعب معاً، فنحن ندرك أنه حين تخلو الموسيقى من المتعة لا قيمة لها.

■ بالعودة إلى المرحلة التي رافقتم فيها محمود درويش، ما هو تأثيره فيكم؟
طبعاً محمود درويش كان له التأثير الأكبر في ثقافتنا من الناحية المضمونية والفكرية عندما يقول لنا لا تكونوا الضحية ولا تكونوا البطل. واحرصوا على أنه حين يصفق لكم الجمهور لما أنتم عليه في صناعة الموسيقى، لا كأبطال أو ضحايا، فهكذا فقط تخدمون القضية. أن تقضي الساعات والأيام والسنين مع شخصية عملاقة، أمرٌ كان يغذينا روحانياً. علمنا شفافية في الموسيقى لم نعرفها من قبل. علمنا درويش أن الإبداع صادق. علمنا كيف نحب الوطن من خلال كأس نبيذ، أو عيون امرأة، وعلمنا الحرية الفردية والعامة.
■ الراحل كان ينزعج أحياناً لاختزال تجربته الشعرية في المقاومة؟ هل يحدث هذا معكم؟
جاءت مرحلة وصف فيها بالمقاومة، فتمرد عليها، لأنه شاعر كوني. كنا محظوظين بأنّنا تعرفنا إليه في هذه المرحلة. ضغط الهوية جميل لكن لا ينبغي أن يكون قاتلاً. أرفض عبارات موسيقي مقاوم، أو ملتزم.

■ الآن تستعد الفرقة لإحياء حفلة في بيروت، ما الذي أعددتموه لجمهور المدينة؟
هذه زيارتنا الثانية لبيروت. جلنا العالم كله، لكن بيروت معشوقة محمود درويش. لهذا سنتبادل أجمل الحب مع معشوقتنا بيروت. سنقدم أجمل ما لدينا، سنقدم قلوبنا. لأن بيروت هي ضفاف هذا العالم العربي.

■ والمقبل؟ تؤلفون ألبوماً جديداً؟
ألفنا في السنتين الأخيرتين الكثير من موسيقى الأفلام وهذا ما يأخذ الوقت، ونلنا جوائز موسيقى تصويرية عن فيلمين أوروبيين. أصعب شيء في إصدار ألبوم هو إيجاد عنوان. الأكيد أننا سننتج ألبوماً في بداية السنة المقبلة.