على عجل وعلى غير عادة، تلا جورج صليبي كلمات مقدمة «الجديد» المدوّنة على ورقة أمامه يوم السبت الماضي. حسبنا أنفسنا أمام أنباء عاجلة أو تلاوة لبيان حزبي. سرعان ما شدت الأنظار بهذه الحركة الى مضمون ما يتلا على أسماعنا. مُررت العبارتان الشهيرتان تعقيباً على خطاب الأمين العام لـ "حزب الله" السيد حسن نصر الله: وصف ظهوره "بالانفعالي" واتهم بتقديم "المنطق الإيراني" وبتحريض اليمنيين على الاقتتال الداخلي.


المقدمة التي حازت حتى لحظة كتابة هذه السطور على ما يفوق عن 15 ألف مشاهدة، أشعلت حرباً افتراضية وجبهات نجحت في تجيير عصبيات ومواقف شديدة اللهجة وصلت إلى الشخصنة المباشرة لعاملين في المحطة على مختلف مستوياتهم. وقد تم الرد عليها على المنبر نفسه الذي ولدت منه المقدمة الشهيرة. الحروب الصغيرة الإفتراضية لم تطفئ غيظها بعد، كما هو متوقع مع كل فعل وردة فعل في هذا العالم الافتراضي. لكن أخمدتها حرب أخرى دارت رحاها بين «الجديد» وlbci . بدأتها الأخيرة بفتح سجلات آل خياط ومراحل تلونهم مع الأنظمة والأحزاب. الرد لم ينتظر طويلاً على "الجديد". فتحت هي الأخرى أرشيف محطة بيار الضاهر من عنصر ميليشياوي في صفوف قائد "القوات" اللبنانية الى متلوّن بين النظامين السوري والسعودي. وفي خضم كل هذا النبش لهذه السيّر والصور، بقيت لا شك بزّة الضاهر العسكرية زيتية اللون حاضرة في الأذهان.
خلال الأسبوع المنصرم، أسبوع آلام الإعلام اللبناني، سجلت سقطة "الجديد" في أدق مرحلة سياسية وإستراتيجية في العدوان على اليمن. بضع أسطر في مقدمتها كانت كفيلة بوضعها في مصاف القنوات المعادية لحركات التحرر والمقاومة التي ارتدت ـ منذ أول أيام العدوان ـ الثوب الخليجي ونطقت بإسمه، بإسم المعتدي والجزار. خيبت «الجديد» آمال كثيرين رأوا أنفسهم وحدهم بلا معيل ولا ذراع إعلامي في تماه تام مع حرب تموز 2006 حين وقف العالم وتآمر بعض الداخل اللبناني على المقاومة، لتبقى وحيدة في الميدان. وسجل أيضاً هذا السجال المسفّ بين القناتين اللبنانيتين، فخلطت الأوراق من جديد، وسقطت "البروتوكولات" المتفق عليها ولو شكلياً بالحفاظ على ماء الوجه بين القناتين أقله.
هذا المشهد لا يمكن النظر اليه الا من عين الدخول في عصر الانحطاط الشامل للقطاع الإعلامي في لبنان ـ طبعاً لم يكن أشفى حالاً في ما مضى- لكن يزيد منسوبه بفعل الأجندات المدفوعة والتنافس الحاد الى حدّ التشفي والخروج عن المعايير المهنية في المخاطبة بين الطرفين (القناتين). قبلاً كان المشاهد الضحية ومعه السلم الأهلي اللبناني تارة تحت سطوة التحريض واستضافة الوجوه المحرّضة السلفية، وطوراً تحت إشاعة مقتل "مخطوفي إعزاز" بفعل غارة سورية أودت بحياتهم هزّت معها الرأي العام وقتها . اليوم تصفى الحسابات بين القنوات أنفسها، ويقوم الجمهور بالمحاسبة بأسلحة إفتراضية ضاغطة تفعل فعلها بسرعة فائقة فيما تغيب المساءلة القضائية على سقطات كثيرة امتهنها هذا الإعلام. واليوم وجب على المساءلة أن تصوب الى الوسيلة الإعلامية وتحديداً "الجديد"، لتعيد حساباتها: إما تمضي في خطها السابق ولو تلّون، أو تقرر السير بأجندتها المستجدة في مقاربة الحرب على اليمن، ولا مكان هنا... للحياد .