صنعاء | لا نخرج من بيوتنا كثيراً في أوقات الأزمات. نبقى بين جدرانها خشية أخطار محتملة تصادفنا ونحن في الشارع بلا سقف. هذه عاداتنا وقد فعلناها مراراً على عدد المواجهات الداخلية المُسلّحة التي دارت في بلادنا وكُنّا ننجو في كل مرة. لكنّ يبدو أنّ الأمر اختلف هذه المّرة مع قيامة العدوان السعودي المُنفلت علينا. اتضح أن صواريخ "خادم الحرمين" عمياء أو قرروا لها أن تكون كذلك فصارت لا تفرّق بين هدف عسكري أو منازل يقيم تحت سقفها بشر. على هذا بقينا بلا احتمالات نجاة إن اخترنا الخروج إلى الشارع أو المكوث تحت أسقف بيوتنا.


لم تعد تلك الصواريخ تستثني شيئاً وهي تهجم علينا بقلب مطمئن بأن لا ملاحقة قانونية ستلاحق أصحابها، واضعةً ثقتها بفضائيات تابعة لها ستحمل على ظهرها مهمّة تنظيف آثار العدوان من مسرح الجريمة أو التبرير له ووضعه في إطار قانوني من اختراعها.
على هذا نرى قناتي "العربية" و"الحدث" السعوديتين وقد تكّفلتا بدور محامي الشيطان واختراع شرعية لجرائم القتل العلنية التي تقوم بها صواريخ "طويل العُمر" سلمان.
لا قواعد مهنية هنا أو ميثاق شرف إعلامياً في حدّه الأدنى يحكم الكلام الذي نسمعه وهو ينسكب علينا من الشاشتين بلا حساب ولا عقل أو ضمير أو تفكير في فعل اعتذار عن بعض التزوير الذي يخرج علينا.
لنأخذ مثالاً قريباً هنا: إثر الهجوم الصاروخي الذي وقع الأربعاء على مصنع ألبان في مدينة الحديدة (غرب صنعاء) وراح ضحيته نحو أربعين شهيداً مدنياً، أطلّت علينا إحدى مذيعات «الحدث» على الفور وقبل ظهور أيّ تفاصيل عن الجريمة وقالت بأن جماعة الحوثي ضربت المصنع. يختلط دور المذيع هنا لينتقل من كونه مجرد ناقل لخبر إلى مبرر لحصوله مع إدانة مُسبقة لطرف بعينه. ليس هذا فقط، بل استضافت محللين "استراتيجيين" من ذلك النوع الذي يتكاثر في عالم اليوم بطريقة عجيبة ويتولى دور لجنة تحقيق بمفرده ويصدر حكمه. كل هذا قبل أن يتحوّل إلى شخص واقع في حالة استجواب، كأنّ تعميماً صدر ويقول بضرورة قيام أصحاب المُداخلات بتأييد الكلام القادم إليهم من جهة المذيع الواقف خلف الكاميرا. لا يأتون بصاحب المُداخلة كي يسمعوا وجهة نظره في مجزرة أو واقعة، بل يتحول السؤال إلى: كيف فعل الحوثيون ما فعلوا!
لم يتوقف أمر إهانة ضحايا المجزرة إلى هذا الحدّ. راحت "الحدث" تنقل كلام الناطق السعودي باسم العدوان الذي حمّل بدوره الحوثيين ما حصل، مستنداً إلى "المعلومات التي وصلته من الأرض". هو قصد هنا أنّ لدى العدوان عيوناً مُخبرة متواجدة أثناء الجريمة نقلت كل تفاصيلها. كأنّ تلك الصواريخ التي يقومون بإطلاقها على فقراء اليمن تحمل مخبرين ملتصقين بها. ولفرط السذاجة التي حملها هذا الكلام، اضطر ناطق العدوان نفسه خلال مؤتمره الصحافي قبل يومين إلى الردّ على تساؤل أتاه حول اللغط الذي يدور حول المجزرة وعدم تصديق المتلقين لطريقة روايتها. لذا، طالب بضرورة جلب لجنة تحقيق لتقوم بتحميل الحوثيين مسؤولية ما حدث! لقد نسي الناطق ما قاله سابقاً وحمّل الطرف اليمني القصة كُلّها، ليأتي دور المذيعة مجدداً لترديد القصة نفسها من دون إعادة تقليب أو طرح وجهات نظر.
هكذا إذاً يتمّ احتقار الدم اليمني وإظهاره بلا ثمن على قنوات "خادم الحرمين" منذ بداية العدوان إلى اليوم كأنها على ثقة بأن لا أحد سيسأل عن حق أصحاب ذلك الدم المُراق، معتقدين أن لا ملاحقة ستتابعهم، ومتناسين في الوقت ذاته أن هذه جرائم ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم أو بمرور الزمن.