لا يتوقّف الفيلسوف الفرنسيّ آلان باديو (1937) عن مفاجأتنا وإذهالنا في كل عملٍ جديد. ينطلق الذهول من غزارة الإنتاج أولًا، إذ تزيد أعماله على 50 كتاباً؛ ومن التنوّع الواسع لموضوعات اهتمامه بين الفلسفة والنقد والسياسة والسينما والرواية والمسرح. باديو هو أحد آخر عظماء جيل ثورة الـ 1968، وأحد أشرس منتقدي رطانة الشعارات الفرنسيّة وتقلّبات مفكّريها، وأحد أكثر «المتخشّبين» عناداً في الإصرار على أهميّة الشيوعيّة والماويّة والماركسيّة حتى لو بقي وحيداً بعد رحيل معظم مجايليه، وارتداد معظم من تبقّى. لا يستطيع أشدّ منتقديه إنكار أهميّته في الحقول الفلسفيّة والسياسيّة، ومن هنا تنبع خطورة وأهميّة أفكاره في زمن الرأسماليّة والاستهلاك.


بالرغم من الحضور القويّ لباديو في الساحة الفلسفيّة الفرنسيّة منذ الستينيّات، تأخر اسمه في الظهور عالمياً حتى نهاية التسعينيّات، حين صدرت الترجمة الإنكليزيّة لكتابه «بيان من أجل الفلسفة» (1989)، ثم تلاحقت الترجمات بسرعة كبيرة، بعدما أدرك الجميع أنّهم أمام عقلٍ فكريّ فريد يتوازى لديه عمق الفلسفة ونظريّاتها المتشابكة، مع سلاسة الأفكار والطروحات. عده البعض النسخة الفرنسيّة من الفيلسوف السلوفينيّ سلافوي جيجك، ولكنّها النسخة الأعمق والأهدأ، دون التنازل عن شراسة النقد عندما يتطلّب الأمر ذلك، كما رأينا في السجال الأخير بين باديو وجيرار بنسوسان بشأن معاداة الساميّة. أما عربياً، فلم تتعدّ حصيلة الترجمات 3 كتب، آخرها كتاب «في مدح الحب» (2009) الذي أصدرته دار «التنوير» أخيراً (ترجمة غادة الحلواني).
يبدأ هذا الكتيّب الصغير (وهو حوار أجراه نيكولا ترونغ مع باديو) بعبارةٍ لرامبو «إنّ الحب، كما نعلم، يجب أن يُبتكَر من جديد»، ثم يمضي باديو ليطرح أفكاره بشأن الحب في زمن الاستهلاك، ومكانة الحب في الفلسفة والأدب، وعلاقته بالسياسة والفن. ينطلق باديو من مقدّمته الأثيرة التي يكرّر فيها رؤيته لماهيّة الفلسفة والفيلسوف، حين يؤكّد أنّ على الفيلسوف أن يكون «عالماً بارعاً وشاعراً هاوياً وناشطاً سياسياً، بل وعليه أن يقبل حقيقة أنّ حقل الفكر ليس محصّناً أبداً أمام انقضاضات الحب»، معدّداً بذلك الشروط الفلسفيّة الأربعة للفلسفة كما يراها، أي العلميّ، الفنيّ، السياسيّ، والعشقيّ.
يؤكّد باديو أنّ الحب اليوم تحت التهديد، وأنّ مهمة الفلسفة هي الدفاع عنه. ويشير إلى أنّ شعارات المواقع الإلكترونيّة التي تروّج لفكرة الحب في زمن ما-بعد الحداثة (مثل موقع Meetic) أي الحب الخالي من المعاناة، الشبيه بالزواجات المدبّرة سلفاً، تشابه دعاية الجيش الأميركيّ بشأن «القنابل الذكيّة»، حيث «المخاطر ستلحق بالآخر لأنّه لا ينتمي إلى الحداثة ...


في الحب نثق في الاختلاف.أما الرجعيّة، فترتاب دوماً في الاختلاف باسم الهويّة (أ. ب)

الذين لا يملكون بوليصة تأمين جيدة، وجيشاً جيداً، وقوة بوليس جيدة، ورعاية نفسية جيدة». ويتوازى هذا الطرح مع طرح عالم الاجتماع البولنديّ زيغمونت باومان، الذي يشير إلى أنّ شعار «لا التزام نحوك» الذي تلوّح به الرأسماليّة بوجه العامل، يتوازى مع شعار «لا التزام من جانبي»، الذي يقوله الحبيب لشريكه في زمن الاستهلاك.
يشدّد باديو على أنّ أهميّة الحب الفلسفيّة تنطلق من كونه فرصة لتجربة العالم من منظور الاختلاف بدلاً من الفكرة السائدة اليوم بأنّ كل شخص لا يطارد إلا مصلحته. ويتذكّر هنا تأكيد جاك لاكان على أن الجنس لا يوحّد بل يفصل، إذ إنّ اللذة الجنسيّة هي لذّة الشخص وحده: ليس ثمة «اتّصال جنسيّ» بل الحب هو ما يأتي ليحل محل اللااتصال، «ففي الجنس أنت في علاقةٍ مع نفسك من خلال توسّط الآخر، أما في الحب، فإنّك توسّط الآخر لقيمته بذاتها». الحب عند باديو هو إعادة ابتكار الحياة، ومع مرور الأيام والعقبات والاختبارات، سيكون على العاشق من جديد أداء «مشهد من اثنين»، وهنا يكمن التشابه المذهل بين السياسة والحب.
يشير باديو أخيراً في التقاطة ذكيّة إلى أنّ الأدب لا يضم إلا القليل من الأعمال التي تؤكد استمرارية الحب عبر الزمن، إذ إنّ معظم الأعمال المهمة والعظيمة تدور حول استحالة الحب، وتراجيديّته، ونهايته، بعكس المسرح، الذي يشدّد دوماً على الحب كأداة للتمرّد الطبقيّ والاجتماعيّ والسياسيّ: الحب في المسرح «تراجيديا ورفض وغضب».
ويختتم باديو الكتاب بنسف الصورة النمطيّة لفرنسا: أي بلد التنوير والحريّات والثورة؛ ويؤكّد أنّ ثمة تاريخين متضافرين لفرنسا، يتوازى فيهما التمرد الثوريّ العظيم مع الرجعية الوسواسية المتشكّكة. وهنا يعود إلى فكرته عن الحب كترياق في زمن العنصريّة، إذ «إننا في الحب نثق في الاختلاف عوضاً عن الشك فيه. أما الرجعيّة، فترتاب دوماً في الاختلاف باسم الهويّة».
بالرغم من أنّ هذا الكتاب الصغير قد يبدو منحصراً بموضوع واحد هو الحب، إلا أنّه يمثّل مقدمةً جيدة لفهم أفكار آلان باديو الفلسفية والسياسية. مع هذا الكتاب، وكتب ومقالات باديو السابقة المتاحة بالعربيّة سيعود التفاؤل إلى أنصار «اللغة الخشبيّة»، بأنّ ثمة أملاً ما، ولو شحيحاً، في إعادة طرح الأفكار المغايرة التي أخرستها الثورات والثورات المضادة في آن واحد.