خليل صويلح


«من قديمه الجديد». لعل هذه العبارة تناسب ناجي العلي دون سواه، فغيابه لم يلغ راهنية رسومه الجارحة وربما صارت الحاجة إليها أكثر إلحاحاً بعدما تمزّق البيت الفلسطيني إلى درجة لا تحتمل. لكن ماذا لو أن ناجي العلي شهد ما يحدث اليوم من نكبات؟ ستكون المواجهة شرسة وسيدير «حنظلة» ظهره إلى أقصى زاوية اللوحة كي يتوارى عن المشهد الذي ازداد خيانة، فابتعدت فلسطين أكثر فأكثر.
ساخر ومتهكم وعنيد ولاذع يستمد مفرداته من رجل الشارع العادي، وصاحب بصيرة في «شم» رائحة ما يُخطط ضد قضيته في الكواليس. الرجل الطفران الذي يحتل صدر اللوحة بكل خشونته وعنفه واستسلامه وغضبه، يجد الوقت أحياناً للتهكم على ما يحاك ضده من دسائس. لنقل إنّه «متشائل» يقبع في المخيم أو يقف عند حدود الأسلاك الشائكة أو إلى جانب بيت هدمته غارة إسرائيلية للتو. في أحد رسومه، يكتب ناجي تعليقاً على لسان الرجل الطفران «بشرفي لأحلق شواربي إذا هالأنظمة حررت شبر من القدس». وفي الرسمة المجاورة، نرى الرجل وقد طالت لحيته إلى أن بلغت ركبتيه. وفي كاريكاتور آخر، يسأل احدهم رجلاً يقف بجواره: «هل تعرف رشيدة مهران؟» وحين يجيبه بالنفي، يرد عليه: «إذا ما بتعرف رشيدة مهران، كيف لكن صرت عضو باتحاد الكتاب الفلسطينيين يا أخو الشليته». وقتها، كانت الكاتبة المصرية المجهولة مقرّبة من ياسر عرفات بعد إنجازها كتاباً بعنوان «عرفات نبيي وإلهي». إثر هذا الكاريكاتور، تلقى ناجي تهديدات من شخصيات فلسطينية، لكن صاحب حنظلة استمر في خندقه، معتبراً فلسطين وحدها «الأيقونة المقدسة».
إخلاصه للأبيض والأسود في رسومه هو إعلان صريح لرفض اللون الرمادي، لهذا ربما أطاحته رصاصة في أحد شوارع لندن. كأن قدر الفلسطيني الجيد هو الموت اغتيالاً. هكذا سنستعيد بالضرورة العبوة الناسفة التي مزّقت جسد غسان كنفاني في بيروت، وربما صور آخرين كانت فلسطين وحدها «الخط الأحمر» لهم. عشرون عاماً من الغياب، جرت خلالها دماء غزيرة و«أوسلو» في الثلاجة و«ماكيت» لفلسطين وهمية ليست هي التي كان يحلم بها ناجي منذ غادر قريته الشجرة عام 48. ولو كان حياً، لقال بكل وضوح: «لكم فلسطينكم ولي فلسطيني». في رسمة أخرى، تتحول الدبابة إلى محراث يدوي في إشارة إلى سخريته من الحل السلمي الذي سمّاه ذات مرة «الحل السياحي»! هكذا لم يكف ناجي عن فضح كل ما يلوّث صورة فلسطين، مبشراً بوطن مؤجل في رهان صريح على المقاومة، ألم يتنبأ بثورة الحجارة؟ كان مخلصاً لخط مستقيم يختزل المسافة إلى الوطن. ولكل هذه الأسباب تلقى تلك الرصاصة الآثمة من مسدس كاتم للصوت. ولأسباب كثيرة أخرى، لم ينج ناجي من الاغتيال.