القدس المحتلة ـ نجوان درويش


«عمتجتمع لوحدك بالسّر مع الإسرائيليين.. والله لأفضحك يا أناني!» يقولون لواحد منهم بينما يدير «الأناني» مؤخرته لبقية الزمرة من دون أن يخفي غبطته. مؤخرات ولغاليغ وكروش ضخمة هي الملامح الفيزيائية للفساد المبكر في مشروع التحرر الوطني كما صوّرها «حنظلة».
ليس هناك فنان أثّر في الوعي الفلسطيني مثل ناجي العلي (1936ـــــ1987) ولا فنان يضاهيه في تأثيره على الأجيال الجديدة، سواء في الوطن المحتل أو في الشتات... بالإضافة إلى تأثيره العربي وأحياناً الأجنبي. وليس غريباً اليوم أن نشاهد شباباً أوروبيين وأميركيين من مناهضي العولمة يضعون «حنظلة» في أعناقهم أو نراه مطبوعاً على «تي شيرتات» يرتدونها. حنظلة صار من رموز مقاومة العولمة ومقاومة «الجدار» معاً في لحظة تحولت فلسطين إلى نقطة مواجهة كونية. (كم يعرفون ناجي وكم نعرفه نحن؟ تلك حكاية أخرى).
في سيرته، يمثّل ناجي أجمل ما في الشخصية الفلسطينية: تكوين إنساني شفاف لا يتردّد في المواجهة. وبعيداً عن التشوهات الوطنية التي طالت الحياة الفلسطينية كلّها، يبقى ناجي أمثولة لـ«سحر الكرامة». حدّته ـــــ التي نسمع عنها أو نراها في رسومه ـــــ هي بالتأكيد فائض رقته وشقيقة ذلك الشعور بالوحشة لمن يدافع عن قضية شعب كأنه صاحبها الوحيد! الذين اعتبروه مُقلقاً وبذيئاً كانوا قد أداروا ظهورهم للمُثل التي كان وفياً لها ولم ير حياته إلا من خلالها. بلا شك، هو صاحب أجمل «لا» في وجه من سرقوا فلسطين ومَن ابتذلوا قضيتهاimg src="/sites/default/files/old/images/p12_20070829_pic6.jpg" title=" " align="center" width="465" height="272"/>

منذ وقت مبكر حين كان نقد «رموز المقاومة الفلسطينية» بدعةً، تصدّى ناجي لفساد الطبقة السياسية الفلسطينية، في وقت لم يكن مقبولاً فيه من «المثقفين» سوى المبايعة والهتاف. وكرسام كاريكاتور واسع التأثير، كان يصعب تجاهله أو إقصاؤه فجاء اغتياله في النهاية! كان واعياً لآليات التدجين التي يمكن أن تسلب الفنان والمثقف فاعليته وتحوله إلى دجاجة مكاتب أو طاووس لا عمل له سوى عرض ريشه. لغته الكاشفة كانت تتصادم دائماً مع «القيادات» وموظفيها «المثقفين»، في وقت كانت فيه سحب الدخان الأميركية تتقدم نحو سماء المنطقة على هيئة «حلول سلمية». السنوات العشرون التي مضت منذ اغتياله أكّدت صوابية رؤيته الفاجعة، وكاريكاتوراته ما زالت راهنة، بل بعضها تضاعفت راهنيته.
لم يكن ناجي ـــــ بروايات عارفيه ـــــ محباً للتنظير و«لغة المثقفين». في بعض الأحيان، اعتُبر وضوحه «ضعفاً ثقافياً» في أوساط تبجّل الفذلكة والتعالي على الواقع. وتشاء المفارقة أن يشكّل ناجي نموذج المثقف المضاد لظاهرة «المثقف الموظف» الامتثالي والذرائعي وتحديداً «مثقف منظمة التحرير» وتحولاته لاحقاً في حقبة هي بحق حقبة بؤس الثقافة. «المتعيشون» كما يسمّون بالدارجة كان لهم فضل لا ينكر في صناعة الحضيض الفلسطيني الراهن؛ ولولا ظاهرتهم ودورهم لما وصلت رصاصة قاتل مأجور إلى رأس حنظلة ولكان الآن بيننا: شاب مقلق في الواحدة والسبعين يرسم كاريكاتوراً لاذعاً عن «اللجنة التحضيرية للقدس عاصمة للثقافة العربية عام 2009». من الممتع فعلاً تخيّل ما كان سيرسمه إذا كان معنا على مدار العشرين سنة الأخيرة؟
في هذه المناسبة، قد يتردد سؤال: ماذا بقي من ناجي العلي بعد عشرين سنة من غيابه؟ بينما نسأل نحن: ماذا نقص منه؟ ليس هذا كلاماً مجازياً أو عاطفياًً، فالسؤال الصحيح هو: ماذا نقص منه وليس ماذا بقي؟ إن ناجي حاضر رغم غياب أي تكريس رسمي لأعماله، فحتى الآن تعيش أعماله بقوة دفع ذاتية ولم تُجمع أعماله الكاملة ولم يتم توفيرها للقارئ والمشاهد العربي. المؤسسة الرسمية ـــــ الفلسطينية خصوصاً ـــــ تتشدق في المناسبات عن «تكريمه» وضرورة «تخليد ذكراه» ثم تغط في
لامبالاتها.
ثم ماذا يُقصد بـ«غيابه»؟ هل قتلُ واحد مثل ناجي يعني غيابه؟ الأرجح أن الغياب هو نصيب طواويس الفن والثقافة الباحثين عن أمجاد شخصية فوق حطام شعوبهم. غائبون وبصحة جيدة. أما ناجي فاشتعلت فكرته ولم يعد ممكناً إطفاؤها. هو الطفل الذي ضلل قاتليه وضحك عليهم. اليوم، نرى فكرته في كل مكان في فلسطين. ملامحه في الإنتاج الفني ليست في الكاريكاتور، لكن في التشكيل بشكل عام، وفي النقد السياسي وحتى في فنون ظهرت بعد «غيابه» كموسيقى الراب. الأجيال الجديدة أكثر وفاء لفكرته.
و«حنظلة» يفاجئك دائماً بحضوره. تراه على صدور صبايا وشباب في القدس والناصرة وغزة وعكا ورام الله وفي المخيمات طبعاً وأمكنة أخرى على امتداد المخيلة. هو جزء من ملامح الأجيال الجديدة. تراه ينظر إلى «الجدار» وأنت تنتظر قربه على حاجز «قلنديا». أيقونة مستقبلية تحمل فكرة العودة وتمثل الجوهر الإنساني الذي ينزع دوماً إلى الحرية. في فلسطين، تقترن صورة ناجي بالجنوب اللبناني وبصورة بيروت وبمخيلة المنفى. فمنذ خروجه من قريته وهو بعمر حنظلة عام 1948، لم يعد ناجي لفلسطين. ربما لهذا لم يكبر واختبأ عند العاشرة كما فعل قاسم في قصيدة طه محمد علي «الضحك على ذقون القتلة».
اقتراب الذكرى العشرين لاغتياله واقتراب الذكرى العشرين للانتفاضة الأولى (في كانون الأول/ ديسمبر القادم) التي طالما انتظرها ناجي وبشّر بها؛ تفرض مراجعات ذاتية وتجعل اغتياله موضوعاً راهناً كأنّه حدث منذ ساعات. ولعل السؤال الذي يطرحه الآن «جيل الانتفاضة» هو مَن قتل ناجي العلي؟ التساؤل هنا ليس فضولاً صحافياً ولا للاستعمال السياسي... إنه مطالبة عميقة بفتح هذا الملف المطوي والتحقيق بشكل جاد لتحديد المتورطين الحقيقيين ومحاكمتهم.