القاهرة ــــ محمد شعير


«نحيل الجسم، صخري الوجه، صعب الابتسام» هكذا يرى محيي الدين اللباد، ناجي العلي الذي ربطته به علاقة صداقة قوية. على رغم مرور عشرين عاماً على رحيل ناجي، تبقى رسومه حسب رسام الكاريكاتور المصري المعروف، يوميات عربية نادرة تغطّي 20 سنة من عمرنا (1967-1987)، وتؤسس اللغة الغرافيكية غير اللفظية، مثبتة «أنّنا العرب لسنا دائماً كما قيل عنّا نطرب فقط للفظ والسجع».
يرى اللباد أنّ المحطات الفاصلة في حياة ناجي ارتبطت بالأزمات السياسية في الوطن العربي. نكسة 67 كانت «لحظة مفصلية» في تطوره.. «بعد النكسة، كان أغلب الكاريكاتور العربي منهمكاً في تحصيل الحاصل: هجاء العدو الغاصب.. لكنّ ناجي اختار هجاء الذات ووخز ضميرها بمسؤوليتها عما حدث، ويبدو أننا كنا نحتاج إلى ذلك، فكان ناجي رسّامنا الذي اتفقنا عليه».
ستة تنقلات أو «نزوحات» كما يسمّيها اللباد ميّزت تجربة العلي: من قريته الشجرة إلى مخيم عين الحلوة، ومنها إلى بيروت رساماً للكاريكاتور في مجلة «الحرية» ثم الكويت، فبيروت وأخيراً لندن. يقول اللباد: «على صفحات «الطليعة»، تبلور صوت ناجي الخاص، أصبحت رسومه بلا تعليق مكتوب، تتربص المفارقة الفكاهية بقارئها في حنايا المفردات الغرافيكية للرسم. وفي تلك المرحلة أيضاً، أخذ ناجي ينوّع بتطويل مقصود في عدد من الرسوم على فكرة واحدة يلح بها على القارئ حتى يرهقه. فكم من رسوم نوّع فيها وألح بتشبيهات فكاهية للرقم «5» (تاريخ يوم الهزيمة): فشبّهه مرة بالعقال العربي، ومرة أخرى بطوق «الهولاهوب» الذي نهزّ وسطنا بالرقص داخله. وكنّا نضحك لهذا الذكاء الغرافيكي الملح».
خلال الحرب الأهلية في لبنان نضج وعينا: «اكتشفنا أن الشعارات الجاهزة والانحيازات المطلقة وصلت إلى نهاية، وأن الأمور أصبحت معقّدة». ويضيف اللباد: «هكذا، كان الكاريكاتور الذي احتجنا إليه من ناجي مختلفاً أيضاً». كيف تغيّر ناجي فنياً في تلك المرحلة؟
يجيب اللباد: «السخط، الحزن، الاعتراف بالمأزق، القهقهة العبثية، والشتائم... كل هذا في لمحة ذكية، وهذه المرة، جعل وعينا النسبي أكثر مناعة ضد الصدمات اللامعقولة، لم يكن هناك محل للمازوخية. كنا نريد أن نضحك لنفرّج بعض الكرب وسط الفجيعة والألم والموت. وكان مع زياد الرحباني في برنامجه الإذاعي وفي أغانيه التي امتزج فيها ألم الاكتشاف مع الفكاهة العبثية الواعية نجمان كاريكاتوريان التف حولهما الناس ليروا ويسمعوا فكاهة المأساة التي أبدعها النجمان في أشكال لا يمكن تقليدها».
هل البساطة وعدم التثاقف وحدهما سر حضور ناجي حتى الآن؟ يجيب اللباد: «ما زال قراء ناجي يذكرون الكثير من المفردات المرسومة التي اخترعها واصطلح ــــ هو وقرّاؤه ــــ على دلالاتها: المرأة الحزينة الباكية (فلسطينية أو لبنانية) وقد علّقت مفتاح الدار في رقبتها. المسيح بإكليل الشوك والمسامير وقد تكرر ظهوره في رسوم ناجي. الصليب، رمز العذاب وقد حدثني ناجي كثيراً عن إعجابه بالمسيح وباستشهاده مصلوباً لإنقاذ البشر. الكائنات السمينة التي تزحف بلا ساقين وتنبت لها أحياناً ذيول (رمزاً للأنظمة العاجزة). أما حنظلة، فلا بد من أنه الطفل ناجي الذي خرج فيه مع أهله من قرية الشجرة إلى مخيم عين الحلوة». ويرى اللباد أنّه «كان يصوغ تعليقه بلا حذلقة سياسية، وبالطريقة ذاتها التي يعلّق بها الناس العاديون... كان ناجي يتلقاك قبل أن تتزحلق في التحليلات الثقافية المعقدة المستمدة من مراجع قديمة ثابتة».