القاهرة | وسط صمت تام من الإعلاميين المصريين، خرجت تصريحات خطيرة تتعلق بالرقابة على الإنتاج التلفزيوني، أطلقتها عفّت عبد العظيم مديرة «المنطقة الإعلامية الحرّة» التابعة لـ «الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرّة» في مصر، علماً بأنّ الهيئة تتولى إدارة «المنطقة الإعلامية الحرّة» التي ينصّ القانون على خضوع القنوات الخاصة لها، بينما تبثّ من «مدينة الإنتاج الإعلامي» التي تقع في طريق الواحات التابع إدارياً لمحافظة الجيزة.


وبالتالي، تسري قوانين تلك الهيئة على أيّ قناة خاصة مصرية كانت أو عربية تبث من استديوات المدينة، وتخضع لقانون «هيئة الاستثمار» الذي استندت إليه عفت عبد العظيم في تصريحاتها. وكانت عبد العظيم قد أعلنت أنّه "يحقّ لأيّ مواطن عادي التقدّم بشكوى ضدّ أيّ برنامج". بهذا التصريح، أرادت عبد العظيم الهروب من النقد الذي تعرّضت له "المنطقة الإعلامية الحرة" لأنها استجابت سريعاً لطلب الأزهر بوقف برنامج "مع إسلام" الذي يقدمه إسلام بحيري على قناة "القاهرة والناس" (الأخبار 2/4/2015).


تصريحات خطيرة تتيح لأي مواطن محاصرة أي برنامج

وهكذا، بدلاً من أن تسعى الهيئة إلى تغيير الضوابط واللوائح التي تسمح لأي جهة بتسليط رقابتها على المضمون البرامجي، مهما كان نوعه، جاءت عبد العظيم لتعزز هذه القبضة حين قالت لجريدة "الشروق" المصرية إنّ "من حقّ أي مواطن مصري التقدّم بشكوى ضد أيّ برنامج يعرض على القنوات الفضائية، وقد يرى أنه يتضمّن ما يسيء إلى دينه أو الذوق أو الآداب أو الأخلاق العامة، شرط أن تتضمن الشكوى أسطوانات للبرنامج حتى يستطيع مجلس الإدارة في المنطقة اتخاذ قرار بشأنها". وأضافت إنّ "مجلس إدارة الهيئة لا يتحرّك نحو اتخاذ خطوات بشأن محتوى أيّ برنامج، إلا بناء على شكوى من جهة أو حتى مواطن عادي ضد هذا المحتوى. ويقوم مجلس الإدارة المكوّن من 16 عضواً، معظمهم من الإعلاميين والمسؤولين في قنوات فضائية، بدراسة الشكوى وتحديد ما إذا كان البرنامج محل الشكوى ارتكب فعلاً مخالفات وفقاً للضوابط والمعايير التي تحددها المادة 88 من قانون الاستثمار للمناطق الحرة، إضافة إلى ميثاق العمل الإعلامي العربي، المنظّمين لعمل المنطقة. وتتضمن تلك الضوابط عدم ازدراء الأديان، أو الذوق العام"، وبالتالي لم يعد الأزهر أو المحامون أو الأحزاب وحدهم مَن يمتلك حقّ الاعتراض على ما تقدّمه الفضائيات المصرية أو المنطلقة من مدينة الإنتاج الإعلامي، بل من حقّ أيّ مواطن الاعتراض. كما أنّ هذه التصريحات سهّلت الأمر على هؤلاء الذين يقدّمون بلاغات للنائب العام ضدّ الإعلاميين. فقد كان النائب العام يدقّق أولاً في جديّة البلاغ، ثم يبدأ التحقيقات، ما يمنح الأطراف المزيد من الوقت لدراسة مواقفها. أما أن تتخذ "المنطقة الإعلامية الحرة" قراراً بإنذار بحيري خلال أقل من أسبوع، فهذا ما لا يبشّر بالخير على الإطلاق. لكن ما يُثير القلق أكثر هو السبات الذي يغطّ فيه الوسط الإعلامي المصري الذي اكتفى بالتضامن (غير الكامل) مع بحيري. الأخير بات مطالباً بأن يغيّر (قسراً) مضمون برنامجه لو أراد الاستمرار. وفي ظلّ عدم وجود نقابة للإعلاميين، وتأخّر تأسيس "المجلس الوطني للإعلام" الذي سيكون المرجع في ما يتعلّق بتنظيم الحالة الإعلامية، بات واضحاً أن المرحلة المقبلة قد تشهد الكثير من محاولات الرقابة التي تستخدم وسائل أسهل مما سبق. وقد تكرّر جهات عدّة طريقة الأزهر التي أفلحت مع بحيري، وستفلح مع غيره طالما أنّ تلك هي رؤية القائمين على المنطقة الإعلامية... الحرة!