حسين بن حمزة


قيل في الـ«هورس شو» إنني ساقط في الخيبة

لم يعش سوى 36 سنة. لكننا إذا نظرنا إلى كتاباته الروائية والقصصية والمسرحية والنقدية، إضافة إلى عمله كباحث وسياسي ومؤرخ وصحافي ورسام، نحسب أننا أمام كتيبة من المؤلفين، وليس كاتباً فرداً. إن غسان كنفاني يترك لنا صورة كاتب واظب على الكتابة طوال حياته التي كان يستشعر ربّما أنها ستكون قصيرة. لا بد أن هذا الرجل تخلّى عن النوم والعطلات والسفر واللهو، ووهب حياته كلها للكتابة وحدها... وإلا كيف يمكن تصديق عدد كتبه، وعدد الأسماء المستعارة التي كتب بها. لا بد أن صاحب «عائد إلى حيفا» وجد وصفة سرية لمضاعفة سنوات عمره من دون أن يتغير عددها، ليتمكن من إنجاز كل هذه الأعمال. بغير «معجزة» كهذه يصعب ردّ حضوره الكثيف والشاسع في الأدب الفلسطيني والعربي إلى شخص واحد عانى ــــ فوق ذلك ــــ من هشاشة الجسد ومرض السكري وداء النقرس ووباء التدخين.
في دمشق حيث كان محرراً في «الرأي»، أسّس مع بلال الحسن وفضل النقيب وكمال الخالدي وأحمد خليفة «جمعية الأدب والحياة» التي كانت تشهد نقاشات أدبية وفكرية وسياسية. وفي الكويت كتب أولى قصصه القصيرة «القميص المسروق». واعتباراً من عام 1960، انطلقت تغريبته البيروتية...
كانت حياة كنفاني، ككاتب وصحافي، تتحالف مع تراجيدية عمره القصير. إنه أمر أشبه بالمعجزة أن يتولى شخص واحد كل هذه الوظائف، وأن يتمكن من كتابة سبع روايات وخمس مجموعات قصصية وأربع دراسات نقدية وعدة مسرحيات، وأن يسوّد آلاف المقالات والأعمدة والافتتاحيات، وأن يكون في لحظة قتله منكباً على ثلاث روايات معاً. بل إنه، إضافة إلى كل هذا، كتب رواية «من قتل ليلى الحايك» وهي رواية بوليسية غير مكتملة نُشرت على حلقات في إحدى المجلات الفنية. ويُقال إنه كتبها بسبب حاجته إلى بعض المال.
كان غسان كنفاني يقول: «ربما الاسم الواحد، كالعمر الواحد، لا يكفي لإخراج كل ما يموج في داخل الإنسان». ألهذا ابتكر الرجل كل تلك الأسماء ليُرضي وحش الكتابة الذي يقيم في أعماقه؟ ألهذا اخترع كتيبة من المؤلفين ليساعدوه على إنجاز أحلامه وطموحاته؟... ولعلّها من سخريات القدر أن تصفه قاتلته غولدا مائير، رئيسة وزراء إسرائيل، بـ«الكتيبة» أيضاً. ففي ردّها على سؤال لأحد الصحافيين الغربيين، قالت: «كان أخطر علينا من كتيبة من الفدائيين».
أما آخر أفراد الكتيبة التي كانت تعمل داخل غسان كنفاني فهو غسان كنفاني نفسه، لكن في صورة «العاشق» هذه المرة. وهي الصورة المغايرة التي قدمته بها غادة السمان حين نشرت رسائله إليها عام 1992.
غسان الذي رحل ككاتب... عاد كعاشق في ذكراه العشرين، ليثير سجالاً من نوع آخر حول شخصيته النضالية وصورته الرمزية ككاتب فلسطيني! لا داعي هنا لاستعادة ذلك الكم من الكتابات البائسة التي رأت في قيام غادة السمّان بنشر رسائله إليها، تشويهاً لصورته كرمز ومناضل. بالنسبة إلى هؤلاء بدا أمراً ممجوجاً وغير أخلاقي أن يتزوج المناضل بغير القضية، فكيف إذا أحب على القضية وعلى زوجته الفعلية؟ لقد أبان صاحب «رجال في الشمس»، وبصرف النظر عن ظروف علاقته بغادة السمان، عن الإنسان الحقيقي والهش الذي في داخله، وكشف أنّ المناضل ليس ماكينة جامدة لإنتاج الأفكار والمواقف، بل هو إنسان قبل كل شيء.
تحت الضوء الخافت لعشق أتلف صاحب «ما تبقى لكم»، يمكن أن نستعيد سطوراً فاتنة لم يكترث فيها غسان العاشق بما سيقوله الناس لو قرأوها. لم يهمه سوى أن يكون صادقاً حين كتب لها: «يقولون هذه الأيام في بيروت، وربما في أماكن أخرى، أن علاقتنا هي علاقة من طرف واحد، وأنني ساقط في الخيبة. قيل في الـ«هورس شو» إنني سأتعب ذات يوم من لعق حذائك البعيد. يُقال إنك لا تكترثين بي، وإنك حاولت أن تتخلصي مني... لكنني كنت ملحاحاً كالعلق. يشفقون عليّ أمامي ويسخرون مني ورائي...». ثم كتب في رسالة أخرى: «تستطيعين أن تدرجي اسمي في قائمة التافهين، وتدوسي عليه وأنت تصعدين إلى ما تريدين.. ولكنني أقبل.. إنني أقبل حتى هذه النهاية التعيسة».
رغم أعماله وكتاباته الكثيرة، يبدو أن غسان كنفاني وجد وقتاً ليحب أيضاً. تصوروا!