أتى محمد عبد العزيز إلى السينما من باب الشعر. شغفه بما هو بصري قاده إلى عالم الصورة. انخرط أولاً في إخراج أغاني الفيديو كليب، قبل أن تواتيه ريح السينما. هذا التيه الاضطراري بين وسائط مختلفة، أتاح له أن يراكم مخزوناً بصرياً مضاداً، من موقع الرفض والتحدي في آنٍ واحد. هكذا أدار ظهره منذ شريطه الأول "نصف ملغ نيكوتين" (2007)، ثم "دمشق مع حبّي" (2008)، لمنجز السينما السورية، وبدا أشبه بفتى لقيط وسط جموع الأكاديميين، ناسفاً الفكرة الشائعة لسينما المؤلف التي نهضت عليها هذه السينما، في معظم نتاجاتها، بوصفها سيراً ذاتية لمخرجيها.


صحيح أنه يكتب سيناريوهات أفلامه بنفسه، لكنه ينأى بعيداً عمّا هو شخصي، وإذا بنا حيال خلائط بصرية تتطلع إلى مقترحات سرد ما بعد الحداثة بجرأة وجسارة وتوق إلى معاكسة التيار، ما وضع أفلامه في مواجهة تساؤلات لم يعتدها المتلقّي. فيلمه "الرابعة بتوقيت الفردوس" (المؤسسة العامة للسينما- 2013) الذي شاهدناه أخيراً في عرضٍ خاص، شهدته "سينما ستي" في دمشق، نموذج لهذا التشظّي السردي الذي لا يتوانى عن وضع وحدات بصرية متنافرة، تبدو للوهلة الأولى، مفكّكة، ولا ناظم يجمعها. كوادر متقنة، وإحالات بصرية على ما تبقّى من سحر "الواقعية الإيطالية الجديدة" حيناً، والعنف المضمر في بعض نماذج السينما الإيرانية طوراً، بالإضافة إلى نبرة إعلانية مأخوذة بجماليات شعرية متفلّتة من البلاغة، لجهة القسوة وتناقض المصائر، على خلفية أسطورية مرتجلة، بدت عبئاً على مسالك السرد اليومي. ذلك أن كل ما يحدث هنا يدور خلال يومٍ واحد. الفردوس أم الجحيم؟ لعله رغب في إبراز هذه المفارقة في عنوان الشريط كي نستعد للصدمة لاحقاً. ما سوف نشاهده بعد قليل، هو الجحيم بعينه، ذلك أن أقواس الحكايات المبتورة التي يفتتح بها النفير، ما هي إلا توطئة لهذه السجادة المحبوكة بأكثر من نول، إذ يعود، في مشاهد لاحقة إلى ترميم ما بدأه بإشارات خاطفة، طاوياً مصائر بعض شخصيات فيلمه، لمصلحة وحدة سردية أخرى، تبدو على مسافة بعيدة من الحكاية السابقة، أو تفترق عنها كلياً. كما لو أننا في محطة قطار بسكك كثيرة، ورحلات لا يلتقي المسافرون خلالها إلا بالمصادفة، وتوقيت الرحلة، ثم يفترقون، ليفاجئنا لاحقاً باشتباك هذه المصائر داخل المستشفى.


كوادر متقنة، ونبرة مأخوذة بجماليات شعرية متفلّتة من البلاغة

هذا الرهان السردي الصعب الذي اختاره المخرج الشاب قد يحتاج إلى وقت طويل كي يكون مستساغاً لدى المتلقي، رغم وضوح مقاصده إلى حدٍ ما، خصوصاً لجهة الأسلبة التي ترمي بثقلها الجمالي على جوهر الأفلمة، من دون أن يقشّر الغلاف البراني للمشهد، كما ينبغي. لكن مهلاً، أين حكاية الفيلم؟ مريضة بالسرطان ( نوّار يوسف) في غرفة أحد المستشفيات الخاصة، تلتقي حبيبها القديم (سامر عمران) الذي كان مسافراً لدراسة الموسيقى، فتتمرّد على أوجاعها وتطلب منه أن يقبّلها، لحظة دخول والدها (أسعد فضة) الغرفة، فيهجم على العاشق ويشتم ابنته التي جلبت له العار، خصوصاً أنها كانت قد تزوجت رجلاً آخر. الأب من جهته يعيش قلقاً من نوعٍ آخر. هو شخصية مرموقة، وبين يديه نلحظ ملفاً يحمل اسم "اللجنة القضائية العليا"، في إشارة إلى حساسية وظيفته وغموضها، وإذا به يقرر الانتحار للخلاص من ورطته. على المقلب الآخر، نلتقي راقصة تعبيرية (يارا عيد) تستعد لتقديم عرضها "الأفعى والرمان" في دار الأوبرا، فيما تعيش أمها (أنطوانيت نجيب) زمناً آخر، إذ تستعد هي الأخرى لحضور حفلة عبد الحليم حافظ في مسرح معرض دمشق الدولي، وما زالت تحتفظ ببطاقتي الحفلة في انتظار عودة زوجها لمرافقتها إلى الحفلة. عند الحاجز العسكري المجاور للمنزل، يستوقفها عسكري شاب، يبدو أنه مغرم بها، فتهديه بطاقة لحضور الحفلة، لكن ما أن تفتح باب سيارتها حتى تنفجر السيارة، فيهرع العسكري لإنقاذها ونقلها إلى المستشفى. على سكّة أخرى، نلتقي عائلة كردية بائسة: امرأة مريضة ممدّدة فوق عربة يجرّها حصان هرم، بصحبة زوجها ووالده وطفل، تخترق شوارع دمشق بحثاً عن مستشفى خاص لإنقاذها، بعدما لفظها المستشفى الحكومي. يحتضر الحصان في منتصف المسافة، ويتوه الأب في الشوارع، فيما يقوم الزوج (محمد آل رشي) بجرّ العربة بدلاً من الحصان، إلى أن يصل إلى المستشفى. يودع المرأة في سرير مجاور لمريضة السرطان، ويخرج للتفتيش عن والده، وشراء دواء للمرأة، ولأنه مفلس تماماً، يقرّر أن يبيع كليته لإنقاذ زوجته من موت محتّم، فيقع ضحية عصابة لبيع الأعضاء، وحين يحاول الإفلات من قبضة أحدهم، يطعنه بسكين داخل أحد أنفاق المدينة المهجورة. هنا يغلق المخرج الضلع الأخير للمثلث، لكن شهوة الحكايات المجاورة تُغرق الشريط بما هو فائض سردياً، ما أدى إلى نسف الكثافة البصرية لمصلحة ما هو حكائي صرف، رغبة في تنويع أطياف الجحيم السوري، ومراوغة الرقيب ربما، في إيصال رسائل ملغّزة في مخاطبة فئة شبابية، كانت لديها قناعة راسخة بأنها تصنع زمناً آخر بمشاركتها في التظاهرات، مثل مشهد الفتيات اللواتي رفعن لافتة في سوق الحميدية تدعو إلى إيقاف القتل. بدلاً من أن يغلق الشريط هنا، يلتفت إلى حكاية قديمة تخص المايسترو وصديق قديم انتسب إلى صفوف المعارضة، واعتراف الأخير بأنه هو من وشى به لدى الأمن، لينتهي في المعتقل سنواتٍ طويلة، في إدانة لانتهازية صنف من النخب السياسية. هذه الحمولة السردية والهفوات المونتاجية أرهقتا الشريط (نحو ساعتين ونصف)، بما يفيض عن حاجته تأويلياً، على أن مغامرة صاحب "حرائق البنفسج" (لم يعرض بعد)، في تحقيق فيلم مختلف، لا تخطئها العين، سواء لجهة التجريب، أو لجهة تشريح تضاريس دمشق عبر عدسة مفتوحة باتساع على طبقات المدينة وأسرارها وجحيمها، وكذلك جمالها النائم بين النيران.