على خشبة «مسرح بابل»، قدّم ساري مصطفى أخيراً عرض «المركز» الذي كان قد قدمه قبل ستة أشهر، لكنّه اختار هنا رؤيا مختلفة تماماً لعرضه السابق.

أعاد مصطفى تقديم العرض بصيغته الجديدة لأنه هو أيضاً في رحلة بحث عن مركزه.
اقتبس ساري من «علاقات حرجة» للكاتب الفرنسي كريستوف بيليه. في هذا العرض، اختزل شخصياته ليقدم على الخشبة امرأة دمشقية تنقل الى المشاهد يوميات من توترها المنزلي الذي يعكس معضلة بحثها عن «المركز». «ليس مركز الثقل..

لا إنما الآخر الكامن في كل واحد منا. مركز اهتمامنا». تذكرنا تلك الجملة بعمل سارتر Huis Clos (لا مفر) الذي يختتم مسرحيته بجملة «الجحيم هم الآخرون». عالج المخرج موضوعة «المركز» تلك، مستنداً الى نص شخصية واحدة من شخصيات كريستوف بيليه وأضاف اليها عناصر عديدة ترتبط بواقع المرأة السورية (مريم حمود) وباللعب على ثنائيات وتطابقات تربط الخاص والفردي بالعام. مريم التي كانت تتحدث بلهجة شامية كانت تخاطب رجلاً معظم الوقت، تتحدث الى الجمهور عن محاولاتها للبحث عن مركز اهتمامها، عن الآخرين ومقتها من «أخلاقيتهم». كانت مأساة الحرب السورية حاضرة دوماً في الخلفية التي أججت طرح كل تلك الأسئلة الوجودية: جحيم تلك المرأة أو مركز اهتمامها هو البحث عن نفسها في ظل الرجل المطلق- أكان حبيباً أو أباً أو أخاً- في ثنائية مع المدينة التي هي مركز اهتمام آخر للمرأة الدمشقية. بطريقة غير مباشرة، تحاول أن تتخلص من مراكز اهتمامها التي سرعان ما تتحول الى مراكز ثقل. إلا أن جحيمها الأكبر يكمن في عدم قدرتها على ذلك أو بتعبير أدق (يتضح ذلك في سياق الجزء الأول من العرض) يكمن جحيمها الأكبر في عدم رغبتها بذلك.
كانت بداية العرض موفقة: يجلس المشاهد عل كرسيه وفي الخلفية موسيقى تدمج بين نقرات لطيفة على البيانو وذبذبات باعثة على الغموض والتوتر بحيث نسمع أصواتاً بالكاد تسمع تحيلنا الى أجواء حروب وخلافات أو حوارات بين أفراد. إضاءة خافتة تسمح للمشاهد برؤية السينوغرافيا التي توزعت بشكل مينمالي على امتداد الخشبة: الطاولة التي تتوسط الخشبة. سلم في الخلفية. حقيبة سفر قديمة على يمين الطاولة. سطل حديدي على يساره.
يبدأ العرض. صوت امرأة على وشك الإختناق تسارع لإلتقاط أنفاسها. يتكاثر صوت الرصاص. تنفذ الى نظرنا تدريجياً وهي مختبئة تحت الطاولة مع تصاعد بسيط للإضاءة الخافتة. تخرج من تحت الطاولة وتلفظ جملتها مع تشديد مؤسلب على كل كلمة: «المهم هو المركز.... مو مركز الثقل. التاني....مركز اهتمام كل واحد منا».
بني عرض «المركز» على مونولوج غير مترابط للمرأة التي حصرت حركتها في بقع محددة من الخشبة. لم يكن هذا اللا ترابط – رغم أنه مقصود- لصالح العرض لأنه لم يضف شيئاً على الدقائق العشرين الأولى منه. كما لو أن المخرج حاول أن يذهب إلى أقصى الحدود في ذهنية مونولوجاته من دون أن يتمكن من إدارتها درامياً بشكل مقنع. كان ذلك واضحاً في فيض استعانة الممثلة بالاكسسوارات بأسلوب ميكانيكي. ترافقت المونولوجات مع تجهيز فيديو يملأ الخشبة ويكرر مشاهد مبهمة وغير واضحة: طيف امرأة تتحرك في كل الاتجاهات، أطفال، ركام... هذا الفيديو ذو الملامح والتوظيف غير الواضحين، شرذما أكثر علاقة المتلقّي مع كل ما يحصل على الخشبة رغم أن الجو المشحون بالتوتر كان موجوداً من خلال التسجيل الصوتي ومن خلال فراغ الخشبة والسينوغرافيا المينيمالية المعالم. لم يتمكن المخرج من بلورة تيمة العرض التي تحيلنا الى جحيم الفرد الكامن بتعلقه بالآخر الذي جعله طوعاً مركز اهتمامه. وقع العرض في رتابة الكلمات والمونولوج الذهني المنقول عن الممثلة من دون أن يطور المخرج مونولوجاً داخلياً مقنعاً يتلطى خلف المونولوج الخارجي. نجح في إضفاء عنصر جحيم المكان – المدينة، كمركز اهتمام قاتل غير قابل حتى لاحتواء الأطفال، ونجح في تسريب مشاهد مؤلمة من الحرب الأهلية السورية. الا أن وجود تلك المشاهد في ظل كل تلك الشرذمات والمونولوج المبني على اللا ترابط وعلى الذهنية أمور أفقدتها قيمتها ووهجها.
في الكثير من الأحيان، أنقذ أداء مريم حمود العرض من رتابة محكمة بخاصة في اللحظات الأولى. وفي أحيان أخرى ساهم أداؤها في جعل الأمور أكثر التباساً خاصةً حين تلجأ الى أسلبة حركتها على الخشبة التي بدت مفتعلة وذات توظيف غير مقنع.
رغم ذلك، كانت تنفذ الينا جمل أو أفكار جميلة من مونولوج العرض. على سبيل المثال (وبتصرف) «للتخلص من الحب علينا أن نبذل الجهد نفسه لبناء الحب»، «كيف من الممكن لهذه المدينة أن تحضن أطفالاً».
هذا العرض الذي ينقل لنا جنينية عالم وأفكار امرأة هو بدوره جنيني الملامح. لعله ينمو أكثر أكثر في صيغته الثالثة.