أحمد غيلان ابنة مدينة أصيلة رحل أول أمس بعدما عمل بشغف وعصامية خلال عقود على حفظ الذاكرة الثقافية المغربية، وكانت كاميراه ترحب بكل العابرين أمامه.

لا يوجد كاتب أو مثقف مغربي أغفلته ابتسامة وعين أحمد غيلان الثانية. الرجل كان يرى العالم عبر كاميرا، يوجهها إلى الكتاب والمثقفين المغاربة والعرب، سواء القامات المكرسة في الأدب العربي، كمحمد شكري وإبراهيم أصلان وسعدي يوسف أو الشباب الحالم بكتاب أول يفتح الطريق أمامه إلى أرض الأدب.

وهو ما جعل رحيله المفاجئ بطعم الصدمة. صفحات الفايسبوك الخاصة بالكثير من الكتّاب المغاربة نعته. صديقه المقرب ادريس علوش، نشر عشرات الصور للفوتوغرافي الراحل على صفحته أردفها بجمل قصيرة. يقول في واحدة من تغريداته وهو الذي تشاطر معه الكثير من المحطات في المدن واللقاءات الثقافية والحياة : "كثيراً ما كنت سندي الغالي احمد غيلان في زمن يصعب أن تجد فيه سنداً. وداعاً يا غالي".
لم يكن غيلان يستطيع التحدّث بسبب مشاكل في الحبال الصوتية. لكن بكمه لم يكن يمنعه من الحديث إلى من يلتقيهم، إذ لجأ دوماً إلى ورقة وقلم. كانت الكتابة طريقه للتعبير لمن يلتقونه، وكانت ابتسامته الكبيرة طريقاً إلى قلوبهم. القاص والشاعر سعيد منتسب، أشار إلى هذا في شهادته عن الراحل: "كلما التقينا، كنا نتحدث كتابة. كم كان الورق صديقا لنا، نضحك بالقلم، ونسخر بالقلم، ونسخط بالقلم، ونناقش بالقلم. وكنت دائماً قلباً كبيراً، وابتسامة واسعة. كنت أحب في عينيك نهمك للكتب، وكنت أحب في قلبك تبجيلك للصداقة. معك اكتشفت عزيز نيسين، صديقك الأثير، واكتشفت ما معنى أن تكون صديقاً للكتب، وأن تهب لها جميع حواسك، وأن تبذل لها المطارف والحشايا، وأن تسخو بكل ما تملك، وبما لا تملك، كي تظفر بكتاب نادر. وداعاً أيها النادر.. وداعاً يا نورس أصيلة.. وداعاً يا صديقي". أما الشاعر سعيد الباز، فنشر آخر صورة له مع غيلان وعلق عليها قائلاً: "وداعاً غيلان أحضنك في آخر لقاء في مدينة أصيلة في الصيف الماضي وآخر صورة أنت الذي تجعل صورك الفوتوغرافية تنطق بدلاً عن لسانك، سأشير إليك الآن وستفهمني، نحن أيضاً صرنا بدورنا عاجزين عن الكلام، نم يا صديقي بهدوء الآن لقد انطفأت الفلاشات وما من حاجة إليها. وداعاً".
الشاعر عبد الهادي السعيد كتب من جهته: "ابتسامتك الطيبة، وذلك النور المنبعث من قلبك إلى قسماتك ثم إلى وجوهنا فقلوبنا، كانا وضمة الضوء الحقيقية في عدستك. حزينون نحن. والثقافة المغربية حزينة، لأنها فقدت عَيْناً صافية من عيونها. على روحك السلام. خذ إليك محبّتنا لتلازمك إلى الأبد. واطبع على ذاكرتنا، كل يوم، من هناك، من بلاد الضوء اللامتناهية، صورتك البهيّة."
كان غيلان صديقاً للجميع. ولهذا كان رحيله بطعم الحداد، في أفواه كثيرين ممن كانوا رفاقه أو القتوه في لحظات عابرة. الراحل كان ينفق من ماله الخاص لشراء المعدات من أجل التصوير، وكثيراً ما ردد أنه يملك آلاف الصور المهمة وغير المنشورة التي ينتظر التفاتة المؤسسات الثقافية لمساعدته من أجل إخراجها إلى الوجود أو حفظ أرشيفه على الأقل. لكن الزمن لم يمهله لإنجاز هذه المهمة، وليصير الغياب مضاعفاً. إذ لم يتم الالتفات إلى العين الحنوّة على كتّاب المغرب التي دخلت سِنَة أبدية.