strong>محمد خير


بين حين وآخر، تطالعنا هذه الفضائيّة أو تلك بأغنية مصوّرة جديدة، تدعو إلى «الالتزام»... بعد سامي يوسف وهيثم سعيد، يسطع نجم المغني السوري حسام الحاج. ما قصة كليبّه الذي أثار حفيظة روبي، واكتسح مواقع الإنترنت؟

لا بدّ من أن روبي، الفنانة أو المطربة أو الفنّانة الاستعراضية، سمّها ما شئت، تتوارى الآن خجلاً... بعدما مرّ أسبوعان تقريباً على بثّ الفيديو الكليب المرتقب للمغني السوري المقيم في مصر حسام الحاج. وهو الكليب الذي يضم عنوانه لغتين، أولاهما العامية المصرية: «إتحجبتي؟»، ثم العامية الفرنسية «برافو»... أما خجل روبي فيعود إلى سقوط ما ادّعته سابقاً. إذ شاهد الناس الكليب، وقد خلا من أي إساءة مزعومة للنجمة السمراء. وكانت المغنية قد هددت قبل أشهر برفع دعوى ضدّ المغني بحجة أن الكليب الذي أخرجه ياسر سامي (لم يكن قد عرض بعد)، يسيء إليها لأنه يتضمّن مشاهد لفتاة صغيرة تعمد في وقت الصلاة إلى إغلاق التلفزيون لدى عرض أغنية ساخنة لروبي.
وهو ما لم يظهر في العمل بعد عرضه، بل إن الحاج قد أطلق على المغنية صفة «زميلة» في حواره مع «العربية نت» قبل أيام، عندما أكد: «ليس معقولاً أن أقدم أغنية نظيفة ثم أحوّلها إلى هجوم على زملاء آخرين». صحيح أنّ هذه الزمالة قد أغضبت بعضهم، أولئك الذين رحّبوا باقتحام الحاج سوق الفيديو كليب معيداً إليه «الالتزام». إلا أن الموقف الإجمالي للنجم المتمصّر إقامة وتعليماً ولهجة، لم يهتز: يكفي أن تكتب اسم الكليب على أي محرّك بحث على شبكة الإنترنت، حتى تنغمس في كمّ هائل من النتائج، معظمها من مواقع لم يكن تدخلها «سيرة» الفيديو كليبلكن وضع حسام الحاج مختلف، ذلك أنه «يقدم فناً راقياً» و«يدعو إلى القيم الإسلامية»، ويغني ما يناسب «مجتمعنا المحافظ»، مستخدماً كلمات «تجعلك تبكي من شدة التأثر»... وهو ما جعل القراء يغرقونه بالدعوات التي تبدأ من «اللهم ارزقه»، وصولاً إلى «اللهم أعزّ الإسلام بأمثاله». على أي حال، ينوي الحاج الاستمرار، وخصوصاً بعدما لمس «تعطشاً كبيراً لدى الجمهور لتلك النوعية من الأغاني». وهو ما بدا واضحاً من «النجاح الساحق» للأغنية... لا يحتاج المغني السوري طبعاً إلى استطلاع رأي علمي موثّق، ليعرف أن المشاهد العربي يفضل الأغاني «المحتشمة» عن تلك العارية المثيرة للغرائز. وهو يبدو سعيداً لأنه قدّم المحجّبة بصورة جيدة، ولم يفعل مثلاً كزميله هيثم سعيد الذي «أساء إلى الحجاب» في كليب «هما مالهم بينا يا ليل»... لنتذكر من هو مخرج كليب هيثم سعيد الذي يرفضه حسام الحاج؟ نعم، إنه شريف صبري. ومن هو شريف صبري؟ إنه مكتشف روبي... روبي مرة أخرى، إنه عالم صغير حقاً!
وبغض النظر عن مدى صحة الرواية التي حكاها الحاج عن قصة الأغنية، وعن كونه عاد إلى المنزل يوماً، فوجد زوجته قد تحجّبت فجأة، يخطر في بال المشاهد سؤالاً بديهياً: هل هو الذي كتب الكلمات؟ لا، كاتب الأغنية هو الشاعر محمد حافظ الذي، وإن استعان بكلمة «برافو» الإفرنجية الغريبة في سياق أغنية تدعو إلى الالتزام الديني، قد استخدم صيغة تتراوح في غموض بين الاستفهام أو التأكيد، مع استبعاد احتمال الاستنكار طبعاً. فهل كان يتساءل: «إتحجبتي؟ برافو عليكي»، صيغة الاستفهام تصلح أكثر لمحادثة هاتفية. أما استخدامه العبارة مباشرة: «إتحجبتي برافو عليكي» من دون سكنات في منتصفها، فهو أقرب إلى والد يقول لطفلته: «عملتي الواجب برافو عليكي»، أو «كسرتي الفنجان روحي غرفتك». إنه حوار من طرف واحد، لا ينتظر من الآخر مراجعة أو مساءلة. إنه يقول: «لقد تحجّبتِ أخيراً وفعلتِ ما كان منتظراً منك عاجلاً أو آجلا وإلا كنت سأقرص أذنك. إن موقفك ليس اختياراً على الإطلاق أو قراراً حرّاً أو ما إلى ذلك. إنها خطوة بديهية لا يمكن أن يقبلك المجتمع «المحترم» من دون أن تقدمي عليها... إنك تقريباً «غسلتِ عارك»، لقد هداك الله، «أيوه كده ربنا يهديكي» كما تقول الكلمات، ثم «حبك زاد في القلب ماشالله». إنها المكافأة التي تؤكدها مشاهد الكليب: إذ حصلت الفتاة على زوج سعيد بها كمكافأة لالتزامها وصبرها على ابتعاد الآخرين عنها، أولئك الذين كانوا يرفضون حجابها، ويريدونها أن تستمر في غِيّها. إنها قصة منطقية، بغض النظر عن موقف المشاهد من المسألة عموماً.
ومع ذلك، ثمة أسئلة منطقية يثيرها الفيديو كليب: الموديل التي ظهرت من دون حجاب ثم تحجبت في نهاية الكليب، هل ظلت محجّبة؟ إنه سؤال مهم لأن الأمر هنا يختلف عن الدراما. إذ لا يتبنى الممثل القصة التي يؤديها في أي عمل درامي: الشرير على الشاشة ليس كذلك في الواقع، والرئيس في الفيلم قد يكون مجرد كومبارس، يتقاضى أقل الأجور. أما في كليب حسام الحاج فالوضع مختلف، المطرب وصنّاع الكليب يعتبرون أنهم في صدد عمل «دعوي» مباشر. وهم متسقون جداً مع ما يطرحونه من أفكار، ويعدون ـــ أو يتوعدون ـــ بالمزيد. فهل يمكن أن تتقبل إحدى المشاهدات أن تدعوها الموديل إلى الحجاب، وهي ليست كذلك؟ ثم كم مرة تلامس الحاج والعارضة في الأغنية؟ وكيف تأبّط ذراعها في مشهد زفافهما، وهي غريبة عنه؟ وإذا كان يمكن تقبّل الحاج، وهو يدعو الفتيات إلى الحجاب، فكيف نتقبل شعره الطويل في الفيديو كليب؟ ألا يعدّ ذلك «تشبهاً بالنساء»، يتنافى مع ما يدعو إليه من التزام؟ وماذا عن الماكياج الضروري ـــ والواضح ـــ على وجه المطرب، هل يتفق ذلك مع صورة الشاب الملتزم؟
وأخيراً هل ينوي الحاج أو غيره، في أعمالهم المقبلة، أن يخصّصوا أغنية واحدة، تنصح الشباب بأي قيمة أخلاقية، ولو كانت «غض البصر»، المعادل الذكوري لحشمة المرأة... أم أنّ النصائح والأوامر لا تجوز إلا للنساء؟