الوجوه والبورتريهات التي كانت شبه غائبة أو ضئيلة الحضور في أعمال نهاد التّرك (1972)، تتحول في معرضه الحالي في «غاليري أيام» إلى مشروع كامل. رسم الفنان السوري في معارضه السابقة وجوهاً وأشكالاً بشرية، ومزج تأليفها الداخلي مع تفصيلات وحشية أو متوحشة، بل رسم أيضاً وحوشاً شكلانية أو كائنات اكتسبت سمات وحشيتها من طبقات القبح والبشاعة والعنف اللوني المضافة إليها.


تقبيح الكائنات لم يعد ممارسة جديدة ومفاجئة بعدما درجت وشاعت لدى عدد من الرسامين الشبان وخصوصاً في المحترف السوري المعاصر. لقد رفد الواقع السوري المتفجر هذه الممارسات وعزز تنويعاتها في اللعب على أنماط الحضور البشري في اللوحة، أو في استخراج الأحشاء الوحشية والشريرة لذلك الحضور. ظهر ذلك كأسلوب كامل لدى البعض، وتسرب شيءٌ منه إلى تجربة نهاد الترك الذي اكتفى بجزئيات وتفصيلات صغيرة، وحاول أن تحظى تلك الوحشية ببعض الحميمية أحياناً أو ببعض اللعب الطفولي أيضاً.
في معرضه الجديد الذي يحمل عنوان «رسومات على ورق»، لا نرى تلك التفصيلات الوحشية على الفور. ولا نرى ذلك الحيوان الصغير ذا السبعة قوائم الذي رافق لوحات معرضه السابق في الغاليري نفسها، وبدا مثل توقيع إضافي.
قد نظن في البداية أن الرسام تخلى عنها أو وضعها جانباً، ليخوض تجربة أخرى. ويبدو هذا الظن منطقياً حين نرى أنه تخلى عن الألوان، ورسم المعرض كله باستخدام الحبر على ورق. ولكن ثمة احتمالٌ آخر، أنه أخفى هذه الوحشية في الوجوه التي تحتل اللوحات، وفي تعبيرات ملامحها، وفي نظراتها الحزينة، وفي الأجزاء المدمَّاة من هذه الملامح. إنسان اللوحة يرفع دوماً شارة النصر بإصبعي السبابة والوسطى، لكنه يبدو مكسوراً أو معنّفاً أو تغطي الكدمات جانباً من وجهه.
إنهم موتى، والرسام يؤرّخ موتهم، ويوثّق لوحته أيضاً مع الراهن السوري الذي تحول إلى حروب عبثية لم تعد تنتج سوى المزيد من الكوابيس والدمار والقتل. إنها «حرب استهلاكية» بحسب كلمة المعرض نفسه، حيث الرسام «يصوّر سُبُل العنف المنطوية على الأشخاص الذين يعيشون تلك التجربة من الداخل»، وحيث «الصراع الحالي القائم» يؤدي إلى «تشويه الجسم»، وهو ما يدعو الفنان إلى رسم «البعد النفسي لشخصياته من خلال إظهار الصمود والتماسك»، بينما من الخارج تتراءى الآلام والتشوهات والكدمات على الأجسام. أشخاص اللوحات سوريون حتى لو لم يتم إشهار ذلك، والفنان نفسه شاهد عيان ومواطن سوري، والمعرض سجلٌّ توثيقي للواقع السوري اليوم. أحياناً، يقترب المعرض من حافة النص البصري والفوتوغرافي المتواصل، خصوصاً مع تكرار الوجوه الدامية، وتكرار حركة الإصبعين في المرفوعة، وتحويل الفنان للكائن الصغير بسبعة قوائم إلى تفصيل سباعي يمتلك حرية شكلانية في التعبير.
اللوحات تسرد قصصاً ونصوصاً. هناك لوحات تسرد قصصاً معروفة مثل لوحة «حمزة الخطيب»، ولوحة «المغني»، ولكن اللوحات الأخرى لا تختلف عن ذلك في احتشادها بعناصر وتشظيات مماثلة.
الوجوه المظللّة والمنجزة بتهشيرات خطية ميمينالية تغطي كامل الوجه والأجزاء المرئية من الجسد، كل ذلك يمنح اللوحات قتامةً وسواداً قادمين من صور وأخبار الحرب السورية. نهاد الترك الذي درس الفن على نفسه، ولم يتخرج من كليات الفنون، وشارك في معارض عدة في سوريا، ونال الجائزة الذهبية في «بينالي اللاذقية» عام 2003، يؤرّخ لجرحه الشخصي كمواطن سوري، ويؤرخ لواقع مجتمعه الممزق والمدمر اليوم. المعرض سردية تشكيلية عن الحرب والاقتلاع والتهجير.
الحرب التي يمكن تكثيفها في لوحة يظهر فيها إنسانٌ مدمّى، ولكنه يرفع شارة نصرٍ فوق أنقاض غير مرئية.
قوة المعرض موجودة في هذه المواربة أو في التوريات الفنية التي تسمح للفنان بتقديم الواقع الراهن، لكنها تسمح – في المقابل – بممارسات وتقنيات تحفظ حق الفنان بإنجاز لوحة تشهد على الواقع، ولكنها قادرة على تخطيه وتجاوزه إلى لحظة إنسانية ستستمر بعد الحرب، حيث ستتحول الكدمات التي رأيناها في اللوحات إلى ندوب وجروح لا شفاء منها.

«رسومات على ورق» لنهاد الترك: يستمر حتى 28 أيار (مايو) ــ «غاليري أيام»، (بيروت، سوليدير) ـ للاستعلام: 01/374450