الباكورة الشعرية يبدأ أصحابها بالاحتفال بها، ثم يمضون حياتهم هرباً منها كأنها وصمة عار. بعضهم تلاحقه «لعنة» المجموعة الأولى، فيظل يُعرّف بها، ويقترن اسمه بها، مثلما هي الحال مع أنسي الحاج (لن) ومحمد الماغوط (حزن في ضوء القمر). كلاهما جاء بكتاب أول، له شخصيته ومزاجه الخاص. وينطبق ذلك، بطرق مختلفة، على المجموعات الأولى لسليم بركات (كل داخل سيهتف لأجلي وكل خارج أيضاً) وبول شاوول (أيها الطاعن في الموت) ووديع سعادة (ليس للمساء أخوة) وعباس بيضون (الوقت بجرعات كبيرة) وسركون بولص (الوصول إلى مدينة أين).

ثمة شعراء تظهر أمزجتهم وشخصياتهم الشعرية تدريجاً. بعض هؤلاء يتنكر لكتابه الأول، بعد مسيرة شعرية طويلة. وأشهرهم أدونيس الذي حذف ديوانه الأول «قالت لي الأرض» من بيبلوغرافيا أعماله الكاملة، ومحمود درويش الذي تبرّأ من مجموعة «عصافير بلا أجنحة».
هناك أمثلة كثيرة عن شعراء شبان طبعوا مجموعة أولى خجولة، ثم أتبعوها بواحدة أفضل، فراحوا يقنعون من حولهم بعدم أخذ «الباكورة» على محمل الجد، وأن يبدأوا بتشغيل العدّاد، ابتداء من الثانية. وهناك شعراء يستمرون في إصدار مجموعات أولى. إنهم ينقلون ضعف تجاربهم وفجاجة نبراتهم من كتاب إلى آخر، ظناً منهم أنهم يتطورون. بالنسبة لهؤلاء، هل نكتفي بحذف مجموعاتهم الأولى فقط؟