strong>خليل صويلح


عاد حاتم علي أخيراً إلى دمشق بعد إقامة قاهريّة مديدة. المخرج السوري الذي فرغ لتوّه من تصوير «الملك فاروق»، يتحدث عن مخاطر تجربته الأولى في مصر، ويرد على نجدت أنزور... ومؤامرة «إطاحة الدراما السورية»

بدا حاتم علي العائد من مصر للتو، سعيداً بتجربته الإخراجية الأولى هناك. لذلك، لم يُقم وزناً للحملة التي قادها نجدت أنزور أخيراً، ضد عمل الفنانين السوريين في القاهرة، معتبراً أن أسباب هذه الحملة تعود في المقام الأول إلى «افتراق مصالح أنزور الشخصية وتحالفاته الجديدة، فقد اعتاد هذا المخرج تغيير خنادقه باستمرار». وينفي عـــــلي وجود مؤامرة لإطاحـــــة ما حقــــقــــــتــــــــه الدراما السورية من حضور عربي، مؤكداً أن لكلّ فنان دافعه الشخصي، وظرفه الفني المختلف للمشاركة في أعمال عربية. لكن المخرج السوري البارز، كشف في المقابل عن مخاوف وهواجس انتابته أثناء تحضيره لتصوير مسلسل «فاروق ملك مصر الأخير»، نظــــــــراً الى اختلاف البيئة والأسالــــــيب التقنيــــــة المتّبعة في المطبخ الإخراجــــــي المصري. هذا المطبخ الذي اعتاد تصــــــــوير الأعمال التلفزيونية بكاميرات ثابتـــــــــــة وبين جدران الاستديو، على عكس المنظومة الإخراجية السورية التي تفضّل العمل بكاميرا واحدة والتصوير الخارجي. لكن حاتم علي، كما يقول، احتاط للأمر بإحضار ورشة تقنية سورية، اعتاد العمل معها. وهكذا تجاوز عقبات لا بدّ منها في مغامرة كهذه.
عقبة أخرى تجاوزها حاتم علي باختياره الممثل السوري تيم حسن في دور الملك فاروق. إذ كان يتوقع معركة جانبية، ستدور رحاها في كواليس العمل، وفي ذهنه ما حصل للفنان جمال سليمان إثر اختياره بطلاً لمسلسل «حدائق الشيطان». لكن هذه التوقعات لم تحدث، ويؤكد قائلاً: «كنت أفضّل أن يكون الطاقم التمثيلي بأكمله مصرياً، كي لا أخوض معارك جانبية. وعندما فشلتُ في إيجاد ممثل مصري مناسب، اخترت تيم حسن. وكان اختياري صائباً على أي حال، وذلك ما أثبته هذا الممثل خلال التصوير».
العمل الذي كتبته لميس جابر، وتنتجه محطة MBC، لا يختلف في طريقة سرده البصري عمّا أنجزه حاتم علي في أعمال سابقة مثل «الزير سالم»، و«التغريبة الفلسطينية»، و«صقر قريش». لكنّه يعترف بصعوبة التقاط بعض الشيفرات والرسائل التي تكتنف العمل، «حاولتُ جاهداً الإلمام بتفاصيل العمل وأبعاده السياسية، وتشكيل وجهة نظر شخصية. أما من الناحية الاجتماعية والبيئية، فقد اعتمدتُ على خبراء ومحليين لاختيار أماكن التصوير والديكور والملابس». ويشير حاتم علي إلى أنّ ما استهواه في النص هو تقنية الكتابة التي لم تكتنفها أي تصورات إيديولوجية جاهزة، إنما هناك محاولة صريحة لإنصاف الشخصيات بإتاحة الفرصة أمامها للتعبير عن هواجسها وتطلعاتها. ويوضح: «أدركت خلال عملي في تحقيق مسلسلات تاريخية أن الموضوعية غائبة غالباً، فالعمل التاريخي ليس هو التاريخ، بل وجهة نظر صنّاعه، حتى التاريخ نفسه ليس بمنأى عن الانحياز. لذا، سوف يميط العمل اللثام عن شخصية أخرى مغايرة للملك فاروق، بعيداً من الصورة التي صنعتها الخرافة الشعبية، والديكتاتوريات المتلاحقة». ويستدرك قائلاً: «لن يكون المسلسل خاصاً في سيرة الملك فاروق، إنما بانوراما لعصره، وما رافقه من حركات سياسية وتحولات اجتماعية وفنية». ويضيف بحماسة: «اكتشفتُ خلال قراءتي هذه الحقبة، وما تلاها في الحياة السياسية المصرية، أن أكثر شخصيتين ظُلمتا في تاريخ مصر، هما: آخر ملوكها وأول رؤسائها، أي الملك فاروق والرئيس محمد نجيب. إذ عملت الماكينة الإعلامية الناصرية على تشويه سيرة هذين الرجلين، وألصقت بهما تُهماً باطلة، من أجل منح الديكتاتورية الوطنية شرعية قيامها ووجودها».
ولا يجد المخرج السوري تناقضاً، في التجوال ما بين التاريخي والاجتماعي والسيروي، ما دام يصبّ في صلب مشروعه الفني، وينسجم مع طروحاته الفكرية. يقول في هذا السياق: «نادراً ما عملتُ على نص كما هو، فالمخرج في نهاية المطاف شريك أساسي للمؤلف، ويتحمل المسؤولية كاملة كأي أب شرعي للعمل، وعلاقتي مع النص لا تنبع من موقع الأنانية بقدر ما هي قناعة بأن مسؤولية المخرج تبدأ من طاولة البروفة، ولا تنتهي إلا وراء طاولة المونتاج. وتالياً، فإن خيانة النص لا تتجلّى في شطب جملة هنا وإضافة جملة هناك، بل في توجهات العمل بأكمله».
ويحتج حاتم علي على بعض الأقلام النقدية التي تحطّ من قدر الدراما التلفزيونية، وتصفها بالتسلية فحسب: «أنا شديد الحساسية تجاه تسفيه الدراما من جانب بعض المثقفين، كما أنني لستُ مع المُغالين ممن يرى في الدراما فتوحات فنية وثقافية وسياسية». ويضيف شارحاً: «أعتقدُ أن طبيعة التلفزيون تفرض نمطاً من التسلية في المقام الأول. لكن غياب السينما والمسرح وحتى عادة القراءة، جعلت الشاشة الصغيرة أحد المصادر الأساسية للثقافة الشعبية، ووسيلة للمعرفة، وبرأيي أن من يدير ظهره للتلفزيون وتأثيره المعرفي، يكون واهماً ومنكفئاً على ذاته. شخصياً أجد في الدراما شيئاً من أفق ثقافي وفني، من دون الإخلال بوظيفتها الأساسية وهي المتعة. وهذه واحدة من سمات مدرسة الدراما السورية التي تحاول على الدوام الارتقاء بالعمل الدرامي، وأظن أنها نجحت حتى الآن، من الناحية البصرية على الأقل».