يبدو الطريق شاهقاً إلى إحدى الجزر السكنيّة المطلّة على ضاحية الشام الجديدة، حيث زارت «الأخبار» أخيراً كواليس تصوير مسلسل «لست جارية». يغالب فريق العمل برودة الطقس، وموجة الإنفلونزا التي ضربت موقع التصوير، باذلين جهودهم لإتمام عملهم في الوقت المحدد (ستون يوماً، بدأت يوم 10 كانون الأوّل/ ديسمبر الفائت).

اختار المخرج ناجي طعمي أن توحي إضاءة اللوكيشن بالكآبة، عاكسةً صراع البطلين عبد المنعم عمايري (غالب)، وكندا حنّا (ميس)، والتناقض بين السواد الطاغي الذي يشيعه سلوك الزوج، ومساحة بياض تسعى الزوجة إلى فرضها، والتمسك بها حفاظاً على أسرتها. العلاقة بينهما «كانت تنطوي على حبٍّ كبير، تكلل بالزواج، إلا أنّ هذا الزواج يتحوّل إلى مأساة، حين يكتشف الزوج ليلة الزفاف أنّ عروسه تخفي سراً كبيراً، ما يجعل حياتها معه جحيماً، بعد رضوخها لشرطه تحت وطأة شعورها بالذنب والبقاء مدى العمر جاريةً له، أملاً منها في استعادة حبّه لها، سالكةً كل السبل المؤدية لذلك، حتى على حساب كرامتها وأنوثتها».
فرحٌ قليل، ابتساماتٌ شبه نادرة، ودموعٌ كثيرةٌ تذرفها كندا مشهداً تلو الآخر، أمام عمايري، في دورين يتطلبان اشتغالاً كبيراً على المستوى النفسي. لكنّ الممثلة السوريّة التي أجادت أداء أدوار الفتيات القويّات، والمتمرّدات بشكلٍ أو بآخر، لا تعتبر في حديثها لـ «الأخبار» أنّ «ميس ضعيفة، بل تتجسد فيها قوة المرأة التي يمنحها إياها الحب للحفاظ على وجودها، وعائلتها، وشريكها، وتتحمل لأجل ذلك الإهانات، والقسوة، والاستفزازات المتكررة من حبيبٍ أصبح زوجها، اقتناعاً منها بأنّها المسؤولة عمّا يحدث، وليس هو». من جهته، يرى عبد المنعم عمايري أنّ «غالب ضحيّة لمجموعة تقاليد وأعراف اجتماعية شرقيّة، ويعاني من عقد بسبب تلك الأعراف التي لا يستطيع تجاوزها كغالبية الشباب العربي. لذلك لم يتمكّن من تقبّل واقع اصطدم به ليلة زفافه، بعد اكتشافه سراً أخفته حبيبته عنه، فيقابلها بسلوك عدائي، يعززه استعداده النفسي لهذا السلوك نتيجة نشأته في جو مشحونٍ بالعنف الذي طالما مارسه والده تجاه والدته، فتحوّل في النهاية إلى شخص مريض نفسياً». ويشير النجم السوري مختتماً حديثه لـ «الأخبار» إلى كون العمل «يتناول أزمات نفسية، واجتماعية، وأسرية عدة تعاني منها مجتمعاتنا العربية، ومهدّت لما وصلنا إليه».

يخوض المسلسل في عوالم الفساد، والصراع الطبقي ومفهوم «الشرف»

يتخذ مسلسل "لست جارية" من مأساة ميس وعلاقاتها المتشعبّة بمن حولها؛ إطاراً عامّاً لحكاية يلخصّها الكاتب فتح الله عمر «بمناقشة قضية انقلاب القيم في مجتمعاتنا العربية المعاصرة، وانحسار مفهوم الشرف بحيث لم يعد يشمل إلا ما يتعلق بالمرأة، بينما غالباً ما ينظر إلى الانحرافات الأخلاقية الأخرى كالغش والرشوة، واستغلال النفوذ، على أنّها دلائل شطارة، ما جعل نساء كثيرات يتمرّدن، ويتجاوزن الكثير من الأعراف والتقاليد». ويخوض المسلسل في عوالم الفساد، والصراع الطبقي عبر شخصيتي والدي البطلين، وعلاقة كلٍّ منهما بأسرته؛ راسماً صورة عن مجتمعٍ مختل، ينخر السوس في خليته الأساسية أي الأسرة. مثلاً، أبو نورس والد ميس (عبد الهادي الصبّاغ) رجل ظالم، لا يترك ثأراً له مهما طال الزمن، ويتجاوز كل الخطوط الحمر لتحقيق مصالحه، وإلحاق الأذى بمن يقف في وجهه، من دون مراعاة أي اعتبار أخلاقي، ويحرص على أن يكون أولاده الذكور نسخةً عنه. أما رجل الأعمال فؤاد والد غالب (زهير رمضان)، فهو انتهازي، جشع، استولى على أموال زوجته السابقة حنان التي ذاقت على يده الأمرّين، وانعكس ظلمه لها على ابنها وابنتها، فتحولا إلى شخصين مأزومين. كما يسعى الأب بعد تخليّه عن أسرته، إلى تحقيق مصالحه، عبر العديد من العلاقات النسائية القائمة على الاستغلال.
تؤدي دور حنان أم غالب الممثلة السوريّة ضحى الدبس، وتؤكد لـ «الأخبار» سعيها لأداء هذه الشخصية بعيداً عن «الصورة النمطية للمرأة المعنّفة، فرغم ملامح الانكسار في عينيها، إلا أنّها كأمّ تتنزع لحظات القوة كي تبقى واقفةً إلى جانب ولديها، وتوجههما، رغم إمعان أفعالهما في تحطيمها». وتوضح بأّن العمل «يركزّ على نقطةٍ في غاية الأهمية هي أنّ العنف يتحوّل إلى دوّامة تنتقل من جيل إلى جيل، ما لم يكن هناك وعيٌ لذلك». هكذا تتحول ابنتها منى «إلى عقدة نفسية متحركّة» على حد وصف الممثلة رنا شميس للشخصية التي تجسدها في مسلسل «لست جارية»، لكنّها «طيبة، وبقدر ما تبدو أفعالها قاسية، إلا أنّها خارجة عن إرادتها، ومبررات قسوتها واضحة للمشاهدين، حيث تسيطر عليها المخاوف من خوض تجربة الحياة الزوجية، بسبب فشل زواج أمّها».
في المقابل، تظهر عائلة بشير مهران (أحمد رافع) كمن تقاوم الطوفان، حيث يتعين على الرجل مواجهة عدوانية أبو نورس، بالتوازي مع عقباتٍ كثيرة تعترض جهوده في تنشئة أسرة صالحة، أهمها تحكم «قانون الشارع بتربية أولادنا». ضمن هذا الإطار، سيتطرق المسلسل إلى تجربة صعبة عاشها حين قام أحد أبنائه رائد (يؤدي دوره الممثل الشاب مجد حنّا) برشوة أحد موظفي الامتحانات في الجامعة لتسهيل نجاحه. كما يقع الابن ضحية موقف حبيبته منى العدائي المسبق من الرجال.
«لست جارية» تنتجه «المؤسسة العامّة للإنتاج التلفزيوني والإذاعي» لموسم دراما 2016، بالشراكة مع مؤسسة «الفارس» السينمائي التي يملكها ويديرها ناجي طعمي. ويضم العمل «المقتبس عن قصّة حقيقية» على قائمة أبطاله أيضاً: سوسن ميخائيل، إمارات رزق، يزن خليل، تولين البكري، رشا بلال، مديحة كنيفاتي، عهد ديب، يامن سليمان، يوسف عسّاف، مي مرهج، وفاء بشّور، ريم معروف، وممثلين كثراً آخرين.