لم تهدأ بعد الحملة الهوجاء على «تلفزيون لبنان» بسبب نقله مقابلة الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصرالله مع قناة «الإخبارية السورية» مباشرةً على الهواء. قامت السعودية ولم تقعد، وانتقد سفيرها علي عواض عسيري بشدّة لبنان، حكومةً وشعباً؛ ما انسحب على سلوك معظم وسائل الإعلام السعودية التي وصل بها الأمر إلى حدّ إطلاق صفات واتهامات خلطت بين تحريض مكوّنات الشعب اللبناني على بعضها بعضاًَ، والفوقية والعنصرية، والعشوائية والاختزال والاستعانة بمنظار الطائفية في الحديث عن الشعب اللبناني.


وغلبت لهجة «التمنين» على إعلام المملكة الذي راح يذكّر اللبنانيين بالمساعدات السعودية لهم، متجاهلاً أنّ العرب، وخصوصاً اللبنانيين يعملون بكدّ في الخليج لقاء الأموال التي يحصلون عليها.
بدأ رئيس تحرير صحيفة «الشرق الأوسط» سلمان الدوسري مقاله المعنون «لبنان، لا يكفي الاعتذار» (9 أبريل) بإصراره على أنّ الموضوع لا يتعلّق أبداً بهجوم نصرالله على المملكة، بل مرتبطٌ بأنّ «تلفزيون لبنان» شارك في ما حدث، وساهم في «حفلة شتم السعودية»، ما يشي بأنّ «هناك رسالة سياسية، لا إعلامية، وجهتها الحكومة اللبنانية للسعودية تحت الحزام». وحتى لو اعتذر وزير الإعلام اللبناني رمزي جريج، فالاعتذار «ليس كافياً» لأنّه «لذرّ الرماد في العيون». ولم ينسَ الدوسري تذكير اللبنانيين جميعاً بأنّهم «قاصرون» عن «تقدير» مواقف السعودية أساساً والخليج ضمناً: «ولكن لأنّ هناك، للأسف، من لا يقدّر المواقف الخليجية، السياسية والاقتصادية، التي تصب في صالح لبنان، ويعتبرها كأنّها في خانة المضمون مهما تعدّدت الإساءات والاتهامات للدول الخليجية فهي قادمة قادمة» (الأخبار 10/4/2015). ولم يفته بالتأكيد «تقسيم» اللبنانيين إلى قسمين على هواه «فرسٌ وعرب»: ««الفرس اللبنانيون» يشنون حملة غير مسبوقة على السعودية ودول الخليج (...) أما «العرب اللبنانيون» الذين لم تخترقهم إيران، فدورهم في تناقص، ولم يعد صوتهم كما كان عالياً يستطيع إيقاف التمدد الفارسي في قلب الدولة اللبنانية منذ أن نجحت إيران في تصدير ثورتها إلى لبنان».


اعتمد داود الشريان أسلوباً
أكثر ذكاءً من الآخرين

أما في مقال «مخاتلة: ما نفع لبنان للسعودية» الذي نشر في جريدة «الحياة» السعودية في اليوم نفسه، فقد استخدم جاسر الجاسر كل الألفاظ التي توحي بأنّ البلد بكامله بات يقف ضد السعودية: «ما الحاجة إلى بلد فيه من يخاصمك ليل نهار، يوجّه إليك سهامه، فإن أخفق في إماتتك جاء معتذراً عن الخطأ؟ لبنان لم يرَ من السعودية سوى الخير والبناء والتعمير والرزق، وهي التي طوت مرارات الحرب الأهلية الطويلة بـ «اتفاق الطائف» فما حاجتنا إليه، ونحن كلما مددنا يداً للمصافحة، أسلم إلينا خنجراً ليس من صنع أهله؟». لكن بعد وصفٍ طويل لـ«وسامة» اللبنانيين ولهجتهم، يعود الجاسر ليمسك العصا من النصف ويؤكد أنّ «حكمة» المملكة تمنعها من التصرف بالمثل: «كان ممكناً أن تغضب السعودية وتدير ظهرها للبنان بعد كل هذا النكران، لكنّها لا تخذل حلفاءها، ولا تترك أكثر الأشقاء وسامة عرضة لعمليات تشويه مدمرة. ومهما رانت الغمامة الثقيلة فلا بد أن تنجلي». هكذا، يبدو أنّه برأي الكاتب السعودي الوسامة هي «سرّ» العلاقة بين لبنان والسعودية.
في الإطار عينه، كتب إدريس الإدريس في 14 نيسان مقالاً في صحيفة «الوطن» بعنوان «بدكن ما تآخذونا»، مفصّلاً المشكلة مع من أسماهم «عرب الشمال»، من دون أن يضمّنه أي تحليل: «مشكلتنا أنّنا نتغافل دائماً عن استعلائهم ونغض الطرف عن تجاوزاتهم الصبيانية، فيظنون أنّهم جماعة من الأذكياء أهل الأمجاد والحضارة في مواجهة ثلة من البدو الطارئين. فمن باب أولى أن نرفض ونشجب ونسخط على هذه النظرة الفوقية الاستعلائية التي نشمها، بل ونسمعها من هؤلاء الذين فتحنا لهم بلادنا وخزائن أموالنا ندعمهم، ولا نشتريهم». غير أنّ «الحكمة» في المقال تصل إلى مقتضاها في جملٍ كهذه: «ثم على كل إخواننا «الفينيقيين» أن يعلموا أنّهم كانوا مجموعة من الهمج خلال الحرب الأهلية اللبنانية التي دامت 16 عاماً، وذهب ضحيتها أكثر من 150 ألف لبناني، قتلوا بيد اللبنانيين أنفسهم الذين كانوا خلال الحرب ينزلون إلى الشوارع من الصباح وحتى المساء، يحملون أسلحتهم ويتقاتلون بالكلاشنكوف والآر بي جي».
ولأنّ داود الشريان صحافي ذكي، فإنّه تنبّه لما حدث من رد فعلٍ للصحافة الخليجية طاول الشعب اللبناني بكامله. في 16 نيسان، وتحت عنوان «أضعف الإيمان: اعتذار لمواطن لبناني»، اعتذر من «المواطن اللبناني»، على اعتبار أنّ «حكومة لبنان أخطأت» حين عرضت مقابلة نصرالله. لعب الشريان بذكاءٍ على الحبلين، وهاجم بعض الكتاب السعوديين قائلاً: «لا شك في أنّ بعضهم حديث عهد في الكتابة الصحافية، ولذلك يستسهل خطورة تأثير الكلمة المكتوبة، ويستند إلى التعميم في طرح آرائه». إلا أنّه في الوقت نفسه، يؤكد: «حكمة المملكة وحصافتها بالرغم من الحملة المقامة ضدها» لن تؤثر تداعياتها «على العلاقة مع لبنان، أو تمسّ بمصالح اللبنانيين وكرامتهم. وستتخطى العلاقات الراسخة بين السعودية ولبنان الحملة الانفعالية التي يقودها «حزب الله» ضد المملكة وشعبها. وسيبقى تأثيرها محصوراً في مَنْ يقف خلفها». يحاول الشريان «بحرفة» الإيحاء بأن «حزب الله» ليس من نسيج الشعب اللبناني، وأنه «كيانٌ» هامشيٌ معزول غير ذي أهمية، فما حدث «لم يأمر به اللبنانيون وساءهم حدوثه، وتسبّب في استياء الجميع». ورأى أن «الحزب» مجرد «حزبٍ سياسي» من دون أي «رصيدٍ شعبي» فهناك فارقٌ بحسب المقال «بين مكانة شعب» و»مواقف سياسيين وإعلاميين».