صنعاء | يبدو أنّ آل سعود صدّقوا فعلاً أنّهم يخوضون حرباً حقيقية وتستحق أن يكتبوا لها قصائد وأن يصنعوا من أجلها الأناشيد والأغاني الوطنية، وأن يطلقوا برامج تعبئة من شأنها تحفيز مشاعر رعاياهم ودفعهم للوقوف إلى جوار جيشهم وتأييده أثناء خوض هذه المعركة «الحاسمة» في تاريخ المملكة.

من سيدفعه حظه العاثر لوضع مؤشّر جهاز الراديو على موجات بث إذاعتي «الرياض» و«جدّة» سيستمع لبرامج تواصل مع أولئك الرعايا وهم يتحدّثون في مكالماتهم ويقولون شعراً في «جنود الملك سلمان» الذين يصنعون «مجد» البلاد ويعيدون كتابة تاريخها من جديد على «أرض المعركة».

ويتضاعف الجهد الإعلامي عندما تتحد تلك الإذاعات جميعها في بث مشترك لبرنامج واحد بعنوان «مع الحدث». يستطلع البرنامج آراء الناس في مختلف المدن السعودية، ومواقفهم المؤيدة مسبقاً لقرار الحرب الذي أعلنه الملك سلمان بن عبد العزيز على اليمنيين. وهو الملك نفسه الذي تقول عنه الإذاعات نفسها إنّه اختير دولياً من ضمن الشخصيات «الأكثر تأثيراً في العالم». ونحن في الحقيقة لا نعلم متى وكيف وأين عثروا على هذا الاستطلاع عن ملك لم يُكمل بعد عامه الأوّل على العرش.
لكن بعيداً عن هذا الخبر، سنجد أنّ من يستمع إلى كل هذه البرامج سيصدّق فعلاً أنّه يجب دعم الجيش السعودي. ومن يشاهد قنواتها الفضائية، سيكتشف أنّ تلك القصائد التي سمعها في إذاعاتها تحوّلت إلى أغنيات مصوّرة، تُظهر جنوداً يسيرون في تشكيلات مُنتظمة، مع لقطات أخرى لجنود يطلقون النار في الهواء، أو يهبطون بواسطة مظلّات من طائرات مروحية محلّقة على مسافات قريبة من الأرض. لكننا لن نرى في هذه البرامج مواجهات عسكرية مع «الأعداء». إنها مجرّد تدريبات يحضرها أحد أبناء العائلة المالكة. مع ذلك، يأتي صوت مُنشد لقصيدة جديدة للشيخ الأصولي عائض القرني، ليقول فيها: «لبيك يا سلمان. جينا اليوم لعيون الوطن، أبشر بعزّك يا زعيم المملكة يا أبو فهد. حنا جنود الله بعنا أرواحنا بأغلى ثمن في جنة الفردوس موعدنا ويا نعم الوعد». وفي سياق الأغاني «الوطنية» المصوّرة، هناك أغنية «ارتاح يالشعب السعودي» للفنان عبد المجيد عبد الله يتغنّى فيها بـ«عاصفة الحزم» بسطحية وبنبرة باردة توضح رداءة إعداد هذا العمل وسرعة ظهوره على الشاشة. الأغنية من كلمات بدر الخالدي وألحان صلاح أحمد، وتأتي مشابهة لقصيدة القرني. هكذا، تُكرّر معاني التمجيد والتضخيم نفسها للملك السعودي. بناءً على كل ما سبق، لن يرى المشاهد حقيقة ما يصفه الإعلام السعودي بـ«الحرب»، بينما هي في الواقع مجموعة هجمات يومية على سماء اليمن وحياة اليمنيين بطائرات يقودها طيّارون أجانب، يلقون بصواريخهم كل ساعة على الأبرياء. نتذكر هنا تلك الطُرفة التي تفيد بأنّ آخر حرب خاضها جنود تلك البقعة من شبه الجزيرة العربية ونجحوا في كسبها كانت معركة «أُحد»، وكانت ضد جماعة الرسول محمد في حين تقول الوقائع التاريخية الفعلية أنّهم كانوا خاضوا حرباً ضد جماعة الحوثي في عام 2008 وخسروها.