تعمل الدراما العربية اليوم على استكمال ما بدأته الحرب في تمزيق الخرائط، ليس لجهة إلغاء الحدود، وإنما بقصد تفتيت الهويات البيئية التي تميّز دراما ما عن سواها، وإذا بها تتكشّف عن جغرافيا زئبقية، من دون تضاريس واضحة. ما نشاهده منذ سنوات يعوم في منطقة اللاجاذبية، باستدعاء حبكات مستوردة ومقتبسة عن أعمال أجنبية تنطوي على أجندات ملتبسة تؤسس ربما إلى نسف التاريخ المحلّي واستبداله بـ «اللاتاريخ».


في نهاية المطاف، ترمي هذه الأعمال إلى تنظيف الذاكرة من مخزونها البيئي ومشكلاتها الموجعة لمصلحة «تأصيل الوهم»، فأنت كائن معلّق في اللامكان، وتالياً علينا أن ننسى الجغرافيا والتاريخ بضربة واحدة، على غرار ما يحدث في ميادين الحرب لجهة تدمير الآثار والمدن العريقة وتحطيم التماثيل، واللجوء إلى عراء التاريخ، في أكبر عملية ثأر بدوية من مدن المركز، من بغداد إلى دمشق، وحتى صنعاء. المال البدوي يضرب بعمق أي رائحة مضادة، بنوعين من المسلسلات: الأول ينهض على استدعاء مذاهب وشخصيات دينية إشكالية، وتمجيد «البداوة المنقذة»، والثاني ينخرط في قصص حب مائعة ومطاردات غرامية وحبكات بوليسية، على غرار الدراما التركية المدبلجة، في ثنائية «الصحراء والأبراج الزجاجية». لا أمكنة راسخة في الدراما المقترحة اليوم، فإما صحراء رملية، أو وقائع مستنسخة تدور في أبراج ومولات ويخوت بحرية وقصور.


فقدت الدراما السورية نفسها مع غرقها في رأس المال الغامض
آخر ما اقترحته هذه الدراما الهجينة تحويل رواية «العرّاب» المشهورة إلى مسلسل، وتالياً، الغرق في حمّى المافيات الإيطالية في أميركا، بنسخة معرّبة، على غرار ما تفعله برامج تلفزيونية مستوردة. وفقاً لأجندات شركات الإنتاج الغامضة، لا روايات عربية تصلح للدراما، لذلك علينا أن نستورد بضاعة بصرية تتواءم مع مرحلة الضياع الفكري، أو نستعيد سيرة أحمد بن حنبل، وابن تيمية في الضفة الأخرى. ومثلما كنّا على موعد مع «آل باتشينو» عربي، في مسلسلات سابقة، سوف ننتظر»مارلون براندو» عربياً سيحطّم الشاشات لفرط حضوره الآسر. وعلى الجهة الأخرى سوف نستعيد فتاوى تعيدنا إلى الصحراء الأم بما يليق بسلالة قيد الانقراض. بين هذين الخندقين، سيُدفن التاريخ في مقبرة مهيبة.
حفارو القبور لا يأبهون لجنسية الجثة طالما أن مفرمة المحو تعمل بطاقتها القصوى. في حال استعدنا خسائر الدراما السورية التي انخرطت في رأس المال الغامض، سنجد أنها باعت التاريخ والجغرافيا بالقطعة: فانتازيا شكسبيرية مقتبسة من نسخة يابانية (الجوارح والكواسر...)، ثم «باب الحارة» المغلق على أوهام البطولات الزائفة، في شوارع الطرابيش والشوارب المعقوفة، والعباءات السود، إلى أن أتت موجة «صبايا»، فكان القرار أن تُخلعَ العباءة لتكشف ما تحتها في نوع من تصدير الغنج الشامي الحديث، والمثير بالطبع لغريزة البدوي في برجه الزجاجي المُحدث، إلى أن أُغلق القوس أخيراً، على شاشة لا تشبه أحداً، ممن يشاهدها، كأننا تائهون في جزيرة مجهولة إثر غرق السفينة بعاصفة هوجاء. ما لم تحطّمه حروب التكفير، ها هي الدراما الجديدة تُجهز عليه من دون مقاومة!