كانت «الست نورا» هنا، في القاعة الزجاجيّة لوزارة السياحة في بيروت، بهدوئها ولطفها المعهودين، وحولها، إضافة إلى ندى سردوك، المديرة العامّة للسياحة، وزيرا السياحة ميشال فرعون والثقافة روني عريجي، اللذان تميّزا بالإيجاز، وسط بحر الإنشائيّات والعموميّات التي نخشاها عادة في هذه المناسبات. للدورة التي تحمل الرقم ٣٠، وتمتد بين ٢٩ تموز (يوليو) و٤ أيلول (سبتمبر)، وقعها الخاص هذا العام. لا يحتفل مهرجان دولي كـ«بيت الدين» كلّ يوم بميلاده الثلاثين. سجلّ حافل بالأعمال والأسماء والعروض، على امتداد ثلاثة عقود كاملة، شهدت صعوده التدريجي إلى مراتب النجاح والتكريس، والاستقطاب المحلي، والإشعاع الدولي. دورة تقام في «ظروف خاصة»، كما لفت الوزيران.


نورا جنبلاط، رئيسة لجنة «مهرجانات بيت الدين الدوليّة»، ذكّرت أن انطلاقة هذا الموعد، المميّز على خريطة الصيف اللبناني والعربي، جرت أساساً في ظروف خاصة، في قلب حرب أهليّة لا أحد يعرف مصيرها. راهن المهرجان على تجاوز سنوات الحديد والنار، راهن على السلم الأهلي، والثقافة التي تجمع وتصنع الهويّة الوطنيّة الواحدة. ربح رهانه جزئياً، لكننا بعد ثلاثين عاماً نجد أنفسنا على حافة البركان نفسه، مع فارق أنّ الانفجار، هذه المرّة، يتهدّد المشرق العربي من أساسه. مهمّة بيت الدين «الدفاع عن الحضارة ضد الظلم والظلام»، كما فهمنا من الوزير فرعون. مشكلة الظلام أنّ أحداً لا يتبرّع بتحديده. التكفيريون على أبوابنا، ولا نعرف من يحميهم ويدعمهم في الداخل والخارج.

يعود مارسيل
خليفة إلى الحدث الذي كان حاضراً فيه يوم ولادته
«لبنان واحة للحريّة. والحرب نوبة جنون عابرة»، أكّد الوزير عريجي. عابرة؟ إنّه عبور طويل حقاً. في كل الأحوال، لنهنأ صيفاً إضافيّاً، ونستمتع ببرنامج منوّع، يقدّم الأوبرا والجاز والطرب والكلاسيك والاستعراض الشعبي والأغنية السياسيّة حتّى (…)، فمن يعرف ماذا ينتظرنا الصيف المقبل بين زحف الدواعش، ووصاية المطاوعة الذين سيخرجهم من قبعته، في الوقت المناسب، الـ«روك ستار» علي عواض عسيري، أي السفير السعودي مالئ الصحف وشاغل الشاشات اللبنانيّة هذه الأيّام… هذا الصيف خمر بالإذن من السفير عواض إذاً…
برنامج «بيت الدين» يجمع بين المواعيد المألوفة والمفاجآت، على أساس توازن قديم بين الأنواع والمدارس، مع مكان أساسي للفن العربي، والإبداع اللبناني. الافتتاح مع التينور خوان دييغو فلوريز مع ضيفته جويس الخوري، وبرفقة أوركسترا «جيوتشينو روسيني الفيلهارمونية» بقيادة كرستوفر فرانكلين (٢٩/ ٧)، والمشروع من مؤجلات الموسم الماضي.
الأوبرا أيضاً ستحضر مع الديفا آنا نيتريبكو بالاشتراك مع يوسف ايفازوف والأوركسترا المذكورة أعلاه (٢٧/ ٨). تحيي «بيت الدين» أيضاً الذكرى المئويّة للمجازر التي ارتكبتها تركيا بحق الشعب الأرمني ولمّا تعترف بها حتّى اليوم، من خلال «روكييم» أو قداس جنائزي من تأليف الأرمني اللبناني تيغران منصوريان (٨/ ٨). لا نتصوّر «بيت الدين» طبعاً من دون كاظم الساهر الذي سيحيي حفلتين (١٤ و١٥/ ٨). حنين من نوع آخر إلى زمن الأغنية السياسية، والنضال، واليسار، وكمال جنبلاط، مع مارسيل خليفة الذي كان حاضراً يوم ولادة المهرجان يعود مع «الميادين» بأمسية عنوانها، كما أسطوانته الأولى «وعود من العاصفة» (٥/ ٨).
مارسيل الذي تنقّل في العامين الماضيين بين بعلبك (بيت الحرير) وبيبلوس ليحط هذا العام عند المير بشير، سنسأله هذا الصيف: أيّة عاصفة؟ أي وعود؟ ومن يطلق «صرخة الثائر»؟ وهل باتت القضايا التي غنّاها واشتهر بها، صالحة فقط لمتحف الحنين؟
الجاز له هذا الصيف في بيت الدين نصيب كبير مع ربيكا فيرغوسن، التي توجّه تحيّة إلى الأسطورة بيلي هولداي تحت عنوان شهير Lady sings the Blues (١٢/ ٨). وهناك الروك البديل المطعّم بالـ pop مع دايفيد راي (أوّل أغسطس). ومسك الختام مع الطرب الأصيل مع الفنانة المصريّة المميّزة أمل ماهر، التي سبق أن تألقت عام ٢٠٠٩ في المهرجان نفسه (٤/ ٩)، لكن مفاجأة «بيت الدين» التي يستحق عليها تحيّة خاصة، هي احتضانه فناناً شاباً فرض حضوره في السنوات الأخيرة، هو هشام جابر الممثل والكاتب والمخرج المسكون بالتراث الشعبي والكافيه شانتان وفن الكاباريه. «بار فاروق» هو عنوان العمل، الذي يجمع الاستعراض إلى الغناء على طريقة مايسترو «مترو المدينة»، بمشاركة فنانين وموسيقيين وممثلين وراقصين (من الجنسين)، يؤدون أغنيات شوشو وعمر الزعني وصباح وفريال كريم، في قالب شعبي احتفالي مبتكر. يؤدي المهرجان هنا دوره الحقيقي، ليس كفضاء ضيافة لنجوم العالم فقط، بل أيضاً كمنتج يراهن على المواهب والطاقات اللبنانية الجديدة. ولهذا السبب وحده (لكن هناك أسباب أخرى)، نرفع قبّعتنا لـ «مهرجانات بيت الدين».