فصولٌ من زمن آخر، أو فصولٌ من حاضر يبدو وقعه أكثر ثقلاً من الاعتراف بوجوده، ما زال بعضنا يعيش تبعاته حتى اليوم في ظل نكرانٍ جماعي أو محاولة للتناسي. «حبلُ سرّة» يمتد من زمن ما قبل الحرب الأهلية حتى يومنا هذا، مجتازاً كل المسافات وحارماً آلاف الأفراد أقل حقوقهم: حق معرفة الجذور، وحق عيش طفولة آمنة. بل إنّ عرض جمعية «بدائل» الذي يحتضنه مسرح «دوار الشمس» (الطيونة ــ بيروت) مساء اليوم، يذهب أبعد من ذلك.


يضع شهادات ووقائع أمام مرأى المشاهد لعله يخرج قليلاً من بؤرة النكران التي يصرّ على المراوحة داخل ثقوبها. هذا العرض وثيقة فنية تنقل بكل شفافية ومن دون ادّعاء أو فائض في التراجيديا، صوت ما يزيد على 38 ألف فرد في لبنان كانوا ضحايا لـ «فصل قسري عن عائلتهم البيولوجية». هذا المصطلح يحيلنا على نوعين من الفصل القسري. النوع الأول كان الأكثر رواجاً قبل الحرب الأهلية وخلالها، حين تحوّل لبنان إلى مصنع ضخم، وحاضن لانتهاكات التبني غير الشرعي بما يشبه الإتجار بالأطفال. أطفال يتم بيعهم قبل ولادتهم لعائلات أجنبية عبر وسطاء. وغالباً ما يتم ذلك من دون وثائق رسمية تسمح للطفل المتبنى بمعرفة والده أو والدته في مرحلة لاحقة. أما النوع الثاني من هذا الفصل الذي يتم إلقاء الضوء عليه في عرض «حبل سرّة»، فهو الإيداع غير المبرر للأطفال في دور الرعاية. إنهما موضوعان متشعبان حافلان بتفاصيل كثيرة. لكن خلاصة المشهد تأفل على خاتمة واحدة: طفل يعرف أنه يعيش في غير مكانه، ويعرف أن كل من يحيطه لا يشبهه. يعرف أن والديه قد يكونان أقرب إليه من هذا الشباك، من دون أن يحظى بفرصة عناقهما. طفل يعرف أنه لو تعرّض إلى عنف ما، عليه أن

يندرج ضمن
نشاطات انطلقت
أخيراً بالشراكة مع
«المفكّرة القانونية»
يعضّ قدر الإمكان على لسانه قبل أن يصرخ بكلمة «نعم، تعرضت للاغتصاب في دار الرعاية الفلانية». قررت مديرة «جمعية بدائل» زينة علوش أن تطلق هذا العرض لتكسر دائرة الصمت حول موضوع الفصل القسري بشتى تشعباته. استعانت بصور سامر معضاض (مؤسس «المؤسسة العربية للصورة»)، وبتجهيز فيديو لنعمه نعمه، وبتأليف موسيقي لجاد شامي، فيما تؤدي العرض سارة عطالله وأدون خوري. ريع العرض يعود إلى «جمعية بدائل»، وتتخلله شهادة حية لطارق الملاح الذي تعرض للتحرش والاعتداء في أحد دور الرعاية في لبنان. من خلال هذا العرض، تسعى الجمعية إلى توسيع فسحة التعبير لكل من تعنيه تلك القضية التي أصبحت ككرة ثلج، إذ تتواصل زينة علوش مع ما يزيد على 4000 فرد حول العالم من أصل لبناني يبحثون عن جذورهم. كما لا بد من أن يترافق هذا النوع من الأنشطة مع مواكبة قانونية تسعى إلى إرساء مشروع قانون ينظّم ويرعى عملية الفصل كي نتجنب انتهاكات كثيرة تحصل بصمت في دور الرعاية التي تعتبر أيضاً مسرباً لا يستهان به من مسارب الفساد في لبنان. هكذا، يأتي هذا العرض ضمن سلسلة نشاطات، انطلقت أخيراً، بالشراكة مع «المفكّرة القانونية» التي تتولى الخطوات القانونية في هذه القضايا.
يبدو أنه لو مهما سعينا إلى تخفيف وطأة أحداث نيسان (أبريل)، بعد أربعين عاماً من اندلاع الحرب الأهلية، سيبقى هذا الشهر حمّال ذاكرة جماعية نسعى إلى ترميمها. وربما أكثر ما يجب أن نسعى للقيام به في هذه المرحلة، وبشكل موازٍ، هو تجنب تكرار تلك الأحداث: قد تكون أرضنا اليوم، هي أيضاً أرض خصبة لتكرار مشهد «الفصل القسري» ذاته مع ضحايا الحروب الجديدة.

«حبل سرّة» لجمعية «بدائل»: 20:30 مساء اليوم ـــ مسرح «دوار الشمس» (الطيونة ــ بيروت). للاستعلام: 01/381290