strong>رنا حايك


  • السياسة ضيفاً ثقيلاً على أعرق المعارض العربيّ

    تمسُّك «النادي الثقافي العربي» بإقامة «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب»، يعتبر إنجازاً بحدّ ذاته. لكن الدورة الخمسين التي يسدل عليها الستار غداً، لم تفلت من التجاذبات السياسية. أما الرواج، فكان للعناوين الساخنة، من وضّاح شرارة... إلى عمرو خالد!

    تنتهي غداً فعاليات «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب». يلملم الناشرون كتبهم، وبعض الأرباح الهزيلة، وترسّبات انقسامات سياسية لم يفلت من قبضتها المشاركون على اختلافهم. تكفي جولة سريعة على دور النشر لاستشفاف مسحة الحزن التي خيّمت هذه السنة على المعرض. إذ يتفق معظم الناشرين على أنّ الإقبال كان أقل كثافة هذا العام بسبب تخلّف العرب عن موعدهم السنوي مع بيروت. كما يعزون هذا التراجع إلى الإرباك الذي سبّبه تغيير موعد المعرض، والأجواء السياسية المتوترة الجاثمة على صدر المدينة.
    يشرح المدير التنظيمي للمعرض عدنان حمود ملابسات توقيت المعرض بأنّ «النادي الثقافي العربي» كان يؤجّله كلّ شهر منذ كانون الثاني، على أمل أن يهدأ الوضع السياسي والأمني. لكنّ الاحتقان استمر وكان لا بد من إقامة المعرض في يوبيله الخمسين: «قرر النادي إقامته خلال شهر آذار، لكنّنا أجّلناه حتى لا نؤثر على «معرض أنطلياس للكتاب» الذي أقيم في الشهر ذاته».
    إلا أنّ بعض الناشرين لمّح إلى عدم براءة توقيت المعرض. يقول ناشر طلب عدم ذكر اسمه: «ليس المعرض سوى ضربة استباقية من النادي «المحسوب» على الموالاة، لمعرض «جمعية المعارف» التابعة للمعارضة، والمزمع إقامته في ضاحية بيروت الجنوبية الشهر المقبل، بتسهيلات تتضمّن تقديم المساحات مجاناً لجميع دور النشر المشاركة».
    يرفض عدنان حمود هذا الاتهام مؤكداً «معرض جمعية المعارف مكسب لنا ولا يؤثر فينا، لأن جمهوره مختلف ولأن معرضنا دولي، فهو لا يتعارض معه. كما أننا سنشارك فيه. ودعونا الدور المنتسبة إليه إلى المشاركة معنا، وقدمنا لها تسهيلات مثل إعفاء تلك التي تهدمت مبانيها في الضاحية خلال العدوان من بدلات اشتراكها معنا».
    التسهيلات التي قدمها النادي للدور الآتية من الضاحية لم تشمل الدور اللبنانية والعربية الأخرى. فأغلب الناشرين يشتكون من غلاء الإشتراكات مقارنةً بأرباحهم. قيمة الإشتراك تبلغ 82.5 دولاراً عن المتر المربع. ويفيد أحد الناشرين بأن إيجار مساحته في المعرض يبلغ 3500 دولار، بينما لا تتخطى مبيعاته 700 دولار، بينما كانت تصل خلال السنوات الماضية إلى 2000 دولار في اليوم.
    ويلفت ناشر آخر إلى أن هذه الدورة لم تكن جديرة بتسمية «معرض عربي دولي للكتاب». إذ غابت عنها وجوه كثيرة، فيما حشد المشاركون طاقاتهم لاستقطاب الجمهور، من خلال تكثيف حفلات توقيع الكتب وعقد ندوات وأمسيات شعرية. وحشدت التواقيع بالفعل جمهوراً عريضاً، إلا أن الأمسيات والندوات لم تحظ جميعها بالإقبال ذاته. فبينما امتلأت القاعة بألف مستمع خلال أمسية محمود درويش، اقتصر الحضور في أمسية شوقي بزيع على حوالي 300 شخص وعلى 100 فقط في أمسية محمد علي شمس الدين الذي بدأها بتحيّة خاصة، سبقت تلاوته قصائد الحب: «مساء اللاسياسة». غياب السياسة؟ وقد ارتفعت صورة النائب سعد الحريري ــــ كما لاحظ الشاعر عبّاس بيضون في عدد الأمس من «السفير» ــــ لتفضح خياراً «محازباً»، حيث كان يمكن لصورة والده الشهيد أن تجمع وتوحّد...
    كان محمود درويش ضيفاً مميزاً على المعرض هذه السنة: إلى جانب أمسيته التي حشدت الحضور الأكثر كثافةً، تصدّرت كتبه الصادرة عن «دار الريس»: «في حضرة الغياب» و«ذاكرة للنسيان» قائمة الكتب الأدبية الأكثر مبيعاً. كما تصدّر «كزهر اللوز أو أبعد» قائمة أكثر الدواوين مبيعاً، تبعه ديوان شوقي بزيع «صراخ الأشجار»، حسب إحصائيات «النادي الثقافي العربي» خلال الأيام الأخيرة للمعرض. وهي أرقام موقتة في انتظار اختتام التظاهرة. ويسجّل للمعرض أنّه أعاد شاعراً مهمّاً هو شوقي أبي شقرا إلى دائرة الضوء عبر أمسية وحفلة توقيع لمجموعات أعادت إصدارها «دار النهضة العربية».
    في مجال الرواية، حافظت الأعمال السعودية على موقعها المتقدم، وحققت «حبّ في السعودية» (دار الساقي) لابراهيم بادي أعلى المبيعات... تلتها رواية باولو كويلو الجديدة «ساحرة بورتوبيلو» (شركة المطبوعات للتوزيع والنشر) ثم «برهان العسل» (الريس) للسورية سلوى النعيمي.
    وعلى رغم محاولة اللجنة المنظمة تفادي «التجاذبات السياسية» في مواضيع الندوات، إلا أن الهمّ السياسي طغى على مواضيع الكتب وخيارات القرّاء. هكذا حقّق كتاب «العروبة والأصولية الدينية» لبشارة منسى (الريس) أعلى المبيعات في الكتب السياسية (حسب الأرقام المتوافرة لدينا لحظة كتابة هذه السطور)، تلاه «الحرب الكبرى تحت ذريعة السياسة» لروبرت فيسك (شركة المطبوعات للنشر والتوزيع). بينما تساوى في المرتبة الثالثة «دولة حزب الله مجتمعاً إسلامياً» لوضّاح شرارة (دار النهار) و«زلزال لبنان، اغتيال رفيق الحريري وتأثيراته في الشرق الأوسط» لنيكولانس بلانفورد (الدار العربية للعلوم)... ما يشكّل تأكيداً آخر على خصوصية جمهور المعرض.
    وفي الكتب التاريخية، حلّ «الشيعة في العالم: صحوة المستبعدين واستراتيجيّتهم» لفرنسوا تويال، (دار الفارابي) في المرتبة الثالثة للكتب الأكثر مبيعاً، سبقه «تاريخ بيروت» (دار النهار) للراحل سمير قصير، وفي المرتبة الأولى «ألمانيا والإسلام في القرنين 19 و20» (الفرات) لعبد الرؤوف سنو.
    من جهته، يؤكد عمر شبارو، من «الدار العربية للعلوم» على تصدّر «زلزال لبنان» قائمة مبيعات الدار، يليه كتاب «الآن هنا» الذي يتضمن توثيقاً لمقالات رئيس تحرير صحيفة «الأخبار» الراحل جوزف سماحة، ثم كتاب زاهي وهبة «ثلاث دقات» يليه كتاب الداعية المصري عمرو خالد «باسمك نحيا». وأكّد شبارو على ارتفاع الطلب على الكتب الدينية والسياسية، وخصوصاً تلك التي تتناول إيران.
    في المحصلة الأخيرة، كان معرض الكتاب هذا العام أشبه بطقس يستعيد زمناً سابقاً، وأقرب إلى فعل «رمزي» منه إلى تظاهرة وطنيّة. أصرّ «النادي الثقافي العربي» و«اتحاد الناشرين اللبنانيين» على إقامته، رغم الأزمة السياسية وانعكاساتها على سوق الكتاب. وقد حاول المنظّمون الابتعاد ــــ قدر المستطاع ــــ عن كل مظاهر الاحتقان والانقسام، لكنّهم لم ينجحوا تماماً في المحافظة على موقع «حيادي» في قلب التجاذبات السياسيّة التي تعصف بلبنان. لقد عبّرت هذه الدورة، أكثر من أي دورة مضت، عن تأثير السياسة على الإنتاج الثقافي، وعن تحكّم الصراع اللبناني بالدينامية التي تقوم عليها صناعة الكتاب، في العلاقات بين الناشر والمؤلف والقارئ.